المنهل التربوى

منتدى المنهل التربوى
إذا كانت هذه زيارتك الأولى للمنتدى نتشرف بتسجيلك والانضمام لأسرتنا
أو سجل دخولك لو أنت عضو بالمنتدى وشارك معنا
كن إيجابيا وفعالا ........بعد التسجيل ضع موضوعا تفيد به أو ردا تشكر صاحبه عليه
مرحبا بك زائرا ومتصفحا لكى تتمكن من المشاركة والحصول على أفضل خدمة يجب أن تسجل دخولك سجل من هنا
مع تحيات قطاع الشرقية التربوى
المنهل التربوى

منتدى تربوى متنوع لسان حال قطاع الشرقية التربوى

/ عام جديد وعلى عملكم شهيد فاستبقوا الخيرات اللهم انصر اخواننا فى سوريا وعجل لهم الفرج والعافية / الإخوان المسلمون والحرية والعدالة يدشنان حملة معا نبنى مصر احتفالا بالثورة

المواضيع الأخيرة

» الإخوان المسلمون- كبرى الحركات الإسلامية - شبهات وردود
الأربعاء يناير 30, 2013 7:34 pm من طرف Admin

» حسن البنا مواقف في الدعوة والتربية
الأربعاء يناير 30, 2013 7:27 pm من طرف Admin

» وسائل التربية عند الإخوان المسلمين
الأربعاء يناير 30, 2013 7:22 pm من طرف Admin

» السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث الدكتور علي محمد الصلاّبي
الأربعاء يناير 30, 2013 7:17 pm من طرف Admin

» مواقف من حياة المرشدين
الأربعاء يناير 30, 2013 7:09 pm من طرف Admin

» منهاج حسن البنا بين الثوابت والمتغيرات
الأربعاء يناير 30, 2013 7:04 pm من طرف Admin

» المتساقطون على طريق الدعوة - كيف .. ولماذا ؟
الأربعاء يناير 30, 2013 6:59 pm من طرف Admin

» مقومات رجل العقيدة على طريق الدعوة
الأربعاء يناير 30, 2013 6:54 pm من طرف Admin

» مجموعة الرسائل للامام حسن البنا
الأربعاء يناير 30, 2013 6:47 pm من طرف Admin

تصويت

مارأيك فى قرارات الرئيس وعزل النائب العام ؟
100% 100% [ 1 ]
0% 0% [ 0 ]
0% 0% [ 0 ]
0% 0% [ 0 ]

مجموع عدد الأصوات : 1

حوض اسماك


    معالم منهج الإخوان من رسائل الإمام البنا .. بقلم د.محيى حامد

    شاطر
    avatar
    Admin
    Admin
    Admin

    الوقت هو الحياة :
    عدد المساهمات : 141
    نقاط : 384
    السٌّمعَة : 0
    تاريخ التسجيل : 28/09/2012

    معالم منهج الإخوان من رسائل الإمام البنا .. بقلم د.محيى حامد

    مُساهمة من طرف Admin في السبت نوفمبر 17, 2012 9:29 pm

    إن دعوة الإخوان لها منهاجٌ واضحُ المعالم، وَضَعَه مؤسس الجماعة ومرشدها الأول الإمام حسن البنا- رحمه الله- ولا يستطيع أي داعية أو مصلح أن يفهم طبيعةَ هذا المنهج ورؤيته للعمل للإسلام إلا بقراءةٍ واعيةٍ ودراسةٍ متأنيةٍ لرسائل الإمام الشهيد، رضوان الله عليه.
    وذلك لعدة أسبابٍ، منها:
    1- أن الإمام البنا حين وضع منهاجَ هذه الدعوة المباركة قد اقتفى أثر النبي- صلى الله عليه وسلم- وسيرته العطرة في نشر الفكرة وتربية الأنصار عليها وبناء الدولة الإسلامية الأولى؛ ولذا فإن هذا المنهاج هو منهج اتباعٍ وليس ابتداعًا، نسير فيه على هدي الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم.
    2- أن الإمام البنا كان حريصًا أشدَّ الحرص على الالتزام بمنهج السلف الصالح في الرجوع إلى الكتاب والسنة باعتبارهما المرجعية الأساسية لكل مسلم؛ ولذا فقد استخلص الإمام البنا- رحمه الله- القواعدَ والأصولَ الفقهيةَ التي تلزم للتحرك بهذه الدعوة وبناء الدولة الإسلامية العالمية.
    3- أن الإمام البنا حرص على وضع الأُطُر العامة والنظريات الكلية للعمل الإسلامي، والتي على أساسها يأخذ الدعاة والمصلحون ما يلزم للسير بالدعوة والحركة بها كإطارٍ حاكمٍ، وإعطاء حرية الاجتهاد في الوسائل والأساليب؛ لاختلاف البيئات اللازمة والظروف التي تنشأ فيها الدعوة.
    4- أن رسائل الإمام البنا كانت حافظةً لمنهج الإخوان من الانحراف أو الغلوِّ فيه؛ لما تمثله من أساس ورؤية شاملة للتغيير على منهاج النبوة.
    لقد حدَّد الإمام البنا- رحمه الله- رؤيته حول منهج الإخوان وميزاتهم في رسالة "هل نحن قوم عمليون"، فقال: "أنت إذا راجعتَ تاريخ النهضات في الأمم المختلفة شرقيةً وغربيةً، قديمًا وحديثًا، رأيتَ أن القائمين بكل نهضةٍ موفَّقةٍ نجحت وأثمرت كان لهم منهاجٌ محدودٌ عليه يعملون، وهدفٌ محدودٌ إليه يقصدون.. وضعه الداعون إلى النهوض، وعملوا على تحقيقه ما امتد بهم الأجل، وأمكنهم العمل، حتى إذا حيل بينهم وبينه، وانتهت بهم تلك الفترة القصيرة: فترة الحياة في هذه الدنيا، خَلَفَهم من قومِهم غيرُهم، يعملون على منهاجهم، ويبدءون من حيث انتهى أولئك، لا يقطعون ما وصل، ولا يهدمون ما بنَوا، ولا ينقضون ما أسسوا وشادوا، ولا يخرِّبون ما عَمَّروا، فإما زادوا عمل أسلافهم تحسينًا، أو مكَّنوا نتائجه تمكينًا، وإما تبعوهم على آثارهم، فزادوا البناء طبقةً، وساروا بالأمة شَوْطًا إلى الغاية؛ حيث يصلون بها إلى ما تبتغي، أو ينصرفون راشدين، ويَخلُفُهم غيرهم. وهكذا دواليك حتى تحققَ الآمال، وتصدقَ الأحلام، ويتمَّ النهوض، ويثمرَ الجهاد، وتصلَ الأمة إلى ما إليه قصدت، وله عملت، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ (الزلزلة:7)."
    وفي هذه الكلمات المُعبِّرة يحدد الإمام البنا:
    1- الأسس التي تقوم عليها النهضة من وضوحٍ للمنهج والهدف المنشود.
    2- دور الأجيال المتعاقبة في الحفاظ على هذا المنهج بالعمل من خلاله، واستكمال الجهود المبذولة فيه، وعدم هدم ما بنَوا.
    3- الحرص على تحسين العمل بهذا المنهاج، والسعي لتحقيق نتائجه وأهدافه والوصول إلى الغاية المأمولة.
    ولقد أوضح الإمام البنا الخطوات التي سلكتها دعوة الإسلام الأولى، فيقول في رسالة هل نحن قومٌ عمليون: "فقد وضع الله لها منهاجًا محدودًا، يسير بالمسلمين الأولين- رضوان الله عليهم- إليه: دعوةٌ في السر، ثم إعلان بهذه الدعوة، ونضال في سبيلها لا يملُّ، ثم هجرة إلى حيث القلوب الخصبة، والنفوس المستعدة، فإخاءٌ بين هذه النفوس، وتمكينُ عُرَى الإيمان في قلوبها، ثم نضال جِدِّيٌّ وانتصاف من الباطل للحق".
    وهذه الخطوات التي سارت عليها دعوة الإسلام الأولى، تحتاج أن نتفهَّم طبيعة كل منها وضوابطه ووسائله التي تعمل على تحقيقه، مع التأكيد على أصول ثلاثة هي:
    1- علانية الدعوة.
    2- النضال الدائم والمستمر في سبيلها.
    3- تربية النفوس وتزكيتها وهجرتها إلى الله عز وجل.
    4- الإخاء والحب والترابط بين هذه النفوس.
    ويتحدَّث الإمام البنا عن عناصر النهضة الموفقة فيقول في رسالة هل نحن قوم عمليون:" إلا أن هذه النهضات يرسم منهاجها الحق- تبارك وتعالى-، ويهدي الرسولَ ومن ورائه قومَه، ويرشدهم إلى خطوات المنهج خطوًة خطوةً، كل خطوةٍ في وقتها المناسب، ويؤيدهم في كل ذلك بنصره، فتكون النهضة موفَّقةً لا محالة، ﴿كَتَبَ اللهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (المجادلة:21) "،
    ونَخلُصُ من هذا إلى أن عناصر النهضة المُوفَّقة تشمل:
    1- تأييد الله بنصره.
    2- إتباع منهج الحق تبارك وتعالى.
    3- الالتزام بهدي الحبيب صلى الله عليه وسلم.
    4- التفاف الأنصار والأفراد حول منهاجها وقيادتها.
    ويختم الإمام البنا حديثه عن منهاج الإخوان المسلمين بقوله: "إن للإخوان المسلمين منهاجًا محدودًا، يتابعون السير عليه، ويزنون أنفسهم بميزانه، ويعرفونه بين الفينة والفينة أين هم منه، فإذا سألتهم عن أصول هذا المنهاج النظرية ما هي؟ فإني أجيبك في صراحةٍ تامةٍ: هي الأصول والقواعد التي جاء بها القرآن الكريم، فإذا قلت وما وسائلهم وخطواتهم العملية؟ أقول في صراحة: هي الوسائل والخطوات التي أُثرت عن الرسول- صلى الله عليه وسلم- ولا يَصلُح آخر هذه الأمة إلا بما صَلَحَ بها أوَّلها.
    ولذا وجب على كل من يحمل دعوة الإخوان أن يتعرَّف على منهاج ومعالم طريقها بوضوحٍ تامٍ ودراسةٍ متأنيةٍ واستيعابٍ لمفردات هذا المنهاج؛ حتى يثمرَ ذلك عن وضوح الفكرة وسلامة التصور لكيفية العمل؛ لتحقيقها وفقًا للأصول التي جاء بها القرآن الكريم، واتباعًا للوسائل والخطوات التي أُثِرَت عن الرسول- صلى الله عليه وسلم-، آخذين بكل أساليب التقدم الحضاري في شتى المجالات المنوطة بنهضة الأمة وإعادة مجدها وسيادتها في العالم أجمع.
    ومن هذا نخلص إلى أن منهاج الإخوان المسلمين يتضمن عدة مفردات أساسية تتمثل في:
    - الغاية التي من أجلها نعمل.
    - المهمة والرسالة التي نحملها لتحقيق هذه الغاية.
    - الأهداف العامة والفرعية التي نسعى لتحقيقها.
    - خصائص هذه الدعوة والأسس التي قامت عليها.
    - مقومات بناء الجماعة.
    - المسارات الأساسية للحركة بالدعوة ونشر الفكرة.
    - الوسائل والخطوات التنفيذية.
    - النظم واللوائح والأعراف التي تنظِّم الحركة بالدعوة (القواعد الحاكمة).
    - القضايا الأساسية والمثارة ورؤية الجماعة فيها.
    - الشبهات التي تُثَار حول الجماعة والرد عليها.
    - أهم الإنجازات التي تم تحقيقها خلال ثمانين عامًا.
    - رؤية للمستقبل وكيفية الإعداد له.
    يتبع

    [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
    avatar
    Admin
    Admin
    Admin

    الوقت هو الحياة :
    عدد المساهمات : 141
    نقاط : 384
    السٌّمعَة : 0
    تاريخ التسجيل : 28/09/2012

    الغاية

    مُساهمة من طرف Admin في السبت نوفمبر 17, 2012 9:42 pm

    أولاً: الغاية
    من الأمور الأساسية التي يجب أن تكون واضحةً لدينا هي الغاية التي من أجلها نعمل ونسير في طريق الدعوة، كما يجب علينا أيضًا أن نوضِّحها للناس، وأن يكون معهم صرحاءَ؛ حتى يسير معنا على بينةٍ وبصيرةٍ من أمرهم.
    وفي ذلك يقول الإمام البنا في رسالة (دعوتنا): "يجب أن نصارح الناس بغايتنا، وأن نُجلِيَ أمامهم منهاجنا، وأن نوجِّه إليهم دعوتنا في غير لبسٍ ولا غموضٍ، أضوأَ من الشمس، وأوضحَ من فلق الصبح، وأبينَ من غُرَّة النهار"؛ لذا نجد أن الإمام البنا كان حريصًا على توضيح الغاية في أكثر من موضع، وفي أكثر من رسالة، ومن جوانب متعددة؛ حتى تكون الغاية واضحًة تمامًا لا لبسَ فيها ولا غموضَ.
    ونستطيع أن نوجزها في النقاط الآتية:
    1- غاية المؤمن:
    يقول الإمام البنا في رسالة إلى أي شيءٍ ندعو الناس: "إن القرآن الكريم حدَّد غايات الحياة ومقاصد الناس فيها، فبيَّن أن قومًا أهمَّهم من الحياة الأكلُ والمتعةُ، فقال- تبارك وتعالى-: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ (محمد: من الآية 12)، وقومًا آخرين مهمتهم الزينةُ والعَرَضُ الزائلُ، فقال تبارك وتعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (آل عمران: من الآية 14)، وقومًا شأنهم في الحياة إيقادُ الفتن وإحياءُ الشرور والمفاسد ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205)﴾ (سورة البقرة).
    تلك هي مقاصد الناس في الحياة؛ نزَّه الله المؤمنين عنها، وبرَّأهم منها، وكلَّفهم مهمة أرقى، وألقى على عاتقهم واجبًا أسمى، ذلك الواجب هو هداية البشرية إلى الحق، وإرشاد الناس إلى الخير، وإنارة العالم كله بشمس الإسلام، فذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77)﴾ (سورة الحج)".
    ويلخِّص الإمام البنا هذه الغاية في موضعٍ آخر من الرسالة فيقول: "إن مهمتنا هي سيادةُ الدنيا، وإرشادُ الإنسانية كلها إلى نظم الإسلام الصالحة وتعاليمه التي لا يمكن بغيرها أن يسعد الناس".
    وعلى ذلك تكون غاية المؤمن هي:
    إرضاء الله- عز وجل- بالتمكين لدينه في الأرض، وهداية البشرية إلى الحق، وإرشاد الناس إلى الخير، وإنارة العالم كله بشمس الإسلام.
    2- غاية الإخوان:
    ولقد حدَّد الإمام البنا غاية الإخوان والتي بها يمكن تحقيق غاية كل مؤمنٍ، كما ذكر ذلك في رسالة المؤتمر الخامس بقوله: "إن غاية الإخوان تنحصر في تكوين جيلٍ جديدٍ من المؤمنين بتعاليم الإسلام الصحيح، يعمل على صبغ الأمة بالصبغة الكاملة في كل مظاهرها ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ (البقرة: من الآية 138)".
    وعندما تتأمل هذه العبارة تدرك أن التمكين لدين الله في الأرض- وهي الغاية الأسمى- تحتاج إلى رجالٍ يؤمنون بتعاليم الإسلام الصحيح، ويعملون على تحقِّقه واقعًا وعملاً في حياة الناس؛ ولذلك يقول الإمام البنا: "لهذا وقفتُ نفسي منذ نشأتُ على غايةٍ واحدةٍ، هي إرشاد الناس إلى الإسلام حقيقةً وعملاً؛ ولهذا كانت فكرة الإخوان المسلمين إسلاميةً بحتةً في غايتها وفي وسائلها، لا تتصل بغير الإسلام في شيء".
    ثم يتناول الإمام البنا في رسالة المؤتمر السادس الحديث عن الغاية ويحددها بأنها غايةٌ قريبةٌ وغايةٌ بعيدةٌ فيقول: "يعمل الإخوان المسلمون لغايتين: غاية قريبة يبدو هدفها، وتظهر ثمرتها لأول يومٍ ينضم فيه الفرد إلى الجماعة، أو تظهر الجماعة الإخوانية فيه في ميدان العمل العام، وغاية بعيدة لا بد فيها من ترقِّب الغرض وانتظار الزمن حسب الإعداد وسبق التكوين..
    فأما الغاية الأولى فهي المساهمة في الخير العام أيًّا كان لونُه ونوعُه والخدمةُ الاجتماعيةُ كلما سمحت بها الظروف.. أما غاية الإخوان الأساسية، أما هدف الإخوان الأسمى، أما الإصلاح الذي يريده الإخوان ويهيئون له أنفسهم؛ فهو إصلاحٌ شاملٌ كاملٌ تتعاون عليه الأمة جميعًا، وتتجه نحوه الأمة جميعًا، ويتناول كل الأوضاع القائمة بالتغيير والتبديل، ويريدون بعث الأمة الإسلامية النموذجية التي تدين بالإسلام الحق، فيكون لها هاديًا وإمامًا، وتُعرَف في الناس بأنها دولة القرآن التي تصطبغ به، والتي تذود عنه، والتي تدعو إليه والتي تجاهد في سبيله وتضحِّي في هذا السبيل بالنفوس والأموال".
    مصادر الغاية
    وعن مصادر تلك الغاية، يقول الإمام حسن البنا في رسالة إلى أي شيء ندعو الناس: "تلك هي الرسالة التي يريد الإخوان المسلمون أن يبلِّغوها الناس، وأن تفهمها الأمة الإسلامية حقَّ الفهم، وتهبَّ لإنقاذها في عزمٍ وفي مَضاءٍ، لم يبتدعها الإخوان المسلمون ابتداعًا، ولم يختلقوها من أنفسهم، وإنما هي الرسالة التي تتجلَّى في كل آيةٍ من آيات القرآن الكريم، وتبدو في غاية الجلاء والوضوح في كل حديثٍ من أحاديث الرسول العظيم- صلى الله عليه وسلم- وتظهر عليه في كل عمل من أعمال الصدر الأول الذين هم المَثلُ الأعلى لفهم الإسلام وإنفاذ تعاليم الإسلام".
    التضحية من أجل الغاية
    ثم يتطرَّق الإمام البنا بعد ذلك إلى التضحيات المطلوبة في سبيل الغاية، فيقول: "ثم بيَّن الله- تبارك وتعالى- أن المؤمن في سبيل هذه الغاية قد باع نفسه لله وماله، فليس له فيها من شيءٌ، وإنما هي وقفٌ على نجاح هذه الدعوة وإيصالها إلى قلوب الناس، وذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ﴾ (التوبة: من الآية 111)، ومن ذلك ترى أن المسلم يجعل دنياه وقفًا على دعوته؛ ليكسب آخرته جزاء تضحيته".
    ويتِّضح لنا مما سبق عدةُ أمور أساسية حول الغاية التي نعمل من أجلها:
    أولاً: أن غاية المؤمن هي إرضاء الله- عز وجل- بالتمكين لدينه في الأرض، وهداية البشرية إلى الحق، وإرشاد الناس إلى الخير، وإنارة العالم كلِّه بشمس الإسلام.
    ثانيًا: إن السبيل إلى تحقيق هذه الغاية العليا تتطلب غايةً أخرى، وهي تكوين جيلٍ جديدٍ من المؤمنين بتعاليم الإسلام الصحيح، يعمل على صبغ الأمة بالصبغة الكاملة في كل مظاهرها.
    ثالثًا: يعمل الإخوان المسلمون لغايتين؛ غاية قريبة: المساهمة في الخير العام أيًّا كان لونُه ونوعُه والخدمةُ الاجتماعيةُ كلما سمحت بها الظروف.. غاية بعيدة أساسية: إصلاحٌ شاملٌ كاملٌ، تتعاون عليه الأمة جميعًا، وتتجه نحوه الأمة جميعًا، ويتناول كل الأوضاع القائمة بالتغيير.
    رابعًا: أن هذه الغاية لم يبتدعها الإخوان المسلمون ابتداعًا، ولم يختلقوها من أنفسهم، وإنما مصدرها القرآن الكريم والسنة المطهرة وسيرة الصحابة الكرام والسلف الصالح.
    خامسًا: أن هذه الغاية تحتاج إلى تضحياتٍ كثيرةٍ بأن يجعل المسلم دنياه وقفًا على دعوته ليكسب آخرته جزاءَ تضحيته.
    [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
    avatar
    Admin
    Admin
    Admin

    الوقت هو الحياة :
    عدد المساهمات : 141
    نقاط : 384
    السٌّمعَة : 0
    تاريخ التسجيل : 28/09/2012

    المهمة والرسالة

    مُساهمة من طرف Admin في السبت نوفمبر 17, 2012 9:53 pm

    ثانيا: المهمة والرسالة
    إن مهمة المسلم الحق لخَّصها الله- تبارك وتعالى- في آيةٍ واحدةٍ من كتابه، وردَّدها القرآن الكريم بعد ذلك في عدة آيات، فأما تلك الآية التي اشتملت على مهمة المسلمين في الحياة فهي قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78)﴾ (الحج).
    وهكذا استخلص الإمام البنا- رحمة الله- المهمة المنوطة بعباده المؤمنين، والتي حدَّدها لهم رب العالمين، ثم يتناول هذه المهمة بشيءٍ من التفصيل كما ورد في الرسالة إلى أي شيء ندعو الناس، فيقول: "يأمر الله المسلمين أن يركعوا و يسجدوا، وأن يقيموا الصلاة التي هي لُبُّ العبادة وعمود الإسلام وأظهر مظاهره، وأن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئًا، وأن يفعلوا الخير ما استطاعوا، وهو حين يأمرهم بفعلِ الخير ينهاهم بذلك عن الشر، وإنَّ من أول الخير أن تترك الشر، فما أوجز وما أبلغ!! ورتَّب لهم على ذلك النجاحَ والفلاحَ والفوزَ، وتلك هي المهمة الفردية لكل مسلم التي يجب عليه أن يقوم بها بنفسه في خلوةٍ أو جماعةٍ.
    ثم أمرهم بعد ذلك أن يجاهدوا في الله حقَّ جهاده بنشر هذه الدعوة وتعميمها بين الناس بالحُجِّة والبرهان، فإن أبَوا إلا العسف والجَوْر والتمرد، فبالسيف والسنان"، فهذا الجهاد في سبيل نشر الدعوة الإسلامية، فضلاً عن الاحتفاظ بمقدسات الإسلام؛ فريضةُ الله على المسلمين، كما فرض عليهم الصيام والصلاة، والحج والزكاة، وفعل الخير وترك الشر، وألزمهم إياهم وندبهم إليها ﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (41)﴾ (التوبة).
    ثم بيَّن لهم أنه اجتباهم واختارهم واصطفاهم دون الناس؛ ليكونوا سواس خلقه، وأمناء على شريعته، وخلفاء في أرضه، وورثه رسوله- صلى الله عليه وسلم- في دعوته، ومهَّد لهم الدين وأحكام التشريع، وسهَّل الأحكام وجعلها من الصلاحية بكل زمان ومكان بحيث يتقبلها العالم، وترى الإنسانية أمنيَّتها المرجوَّة وأملها المنتظر.. وتلك هي المهمة الاجتماعية التي ندب الله إليها المسلمين جميعًا أن يكونوا صفًّا واحدًا، وكتلةً وقوَّةً، وأن يكونوا هم جيشَ الخلاص الذي ينقذ الإنسانية ويهديها سواء السبيل.
    ثم أوضح الحق- تبارك وتعالى- للناس بعد ذلك الرابطة بين التكاليف من صلاة وصوم بالتكاليف الاجتماعية، وأن الأولى وسيلةٌ الثانية، وأن العقيدة الصحيحة أساسهما معًا؛ حتى لا يكون لأناسٍ مندوحةٌ عن القعود عن فرائضهم الفردية؛ بحجة أنهم يعملون للمجموع، وحتى لا يكون لآخرين مندوحةٌ عن القعود عن العمل للمجموع؛ بحجة أنهم مشغولون بعبادتهم، مستغرقون في صلتهم بربهم".
    ثم يُنهي الإمام البنا حديثه بتخليصٍ رائعٍ للمهمة المنوطة بنا؛ فيقول: "أيها المسلمون.. عبادةُ ربكم والجهادُ في سبيل التمكين لدينكم وإعزازُ شريعتكم هي مهمتُكم في الحياة؛ فإن أدَّيتموها حقَّ الأداء فأنتم الفائزون، وإن أدمتم بعضها أو أهملتموها جميع، فإليكم أسوق قول الله- تبارك وتعالى-: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ (المؤمنون: 115).. وقد ينشأ الشباب في أمةٍ وادعةٍ هادئةٍ، قوي سلطانها واستبحر عمرانها، فينصرف إلى نفسه أكثر ما ينصرف إلى أمته، ويلهو ويعبث وهو هادئُ النفس مرتاحُ الضمير، وقد ينشأ في أمةٍ مجاهدةٍ عاملةٍ قد استولى عليها غيرها، واستبد بشئونها خصمُها، فهي تجاهد ما استطاعت في سبيل استرداد حقها المسلوب والتراث المغصوب، والحرية الضائعة والأمجاد الرفيعة والمثل العالية، وحينئذٍ يكون من أوجب الواجبات على هذا الشباب أن ينصرف إلى أمته أكثر مما ينصرف إلى نفسه".
    وهكذا يوجِّه الإمام البنا شباب الأمة إلى الانصراف إلى نهضة الأمة وبناء حضارتها أكثرَ من انصرافهم لأنفسهم، والناظر إلى حال الأمة اليوم يرى واقعًا مريرًا من شيوع الاستبداد والقهر، والظلم والطغيان، وانتشارًا للفساد والتردِّي الاقتصادي والمعيشي لأبناء الأمة، وأيضًا ضعف التنمية في المجالات المتعددة والتخلُّف عن ركب التقدم العلمي والتكنولوجي، ولم تسلم مجتمعاتنا من الانهيار الاجتماعي والأخلاقي وتفكُّك الأواصر الأسرية والاجتماعية.
    كل هذا بالإضافة إلى محاولات التغريب وتذويب الهوية الإسلامية بكل الوسائل المباشرة وغير المباشرة، ومن هنا ندرك طبيعةَ المهمة المنوطة بنا في ظل هذا الواقع الأليم للأمة الإسلامية في شتى مجالات الحياة.
    ولقد أوجزها الإمام البنا في رسالة (الإخوان المسلمون تحت راية القرآن)، فيقول:
    "ما مهمتنا إذن نحن الإخوان المسلمين؟!
    أما إجمالاً فهي أن نقف في وجه هذه الموجة من مدنيةِ المادة وحضارة والمتع والشهوات، التي جرفت الشعوب الإسلامية، فأبعدتها عن زعامة النبي- صلى الله علية وسلم- وهداية القرآن، وحرمت العالم من أنوار هديها، وأخَّرت تقدمه مئات السنين، حتى تنحسر عن أرضنا ويبرَأَ من بلائها قومُنا، ولسنا واقفين عند هذا الحد، بل سنلاحقها في أرضها، وسنغزوها في عقر دارها، حتى يهتف العالم كله باسم النبي- صلى الله عليه وسلم- وتوقن الدنيا كلها بتعاليم القرآن وبنشر ظل الإسلام الوارف على الأرض.
    وأما تفصيلاً فهي أن يكون في مصر أولاً- بحكم أنها في المقدمة من دول الإسلام وشعوبه، ثم في غيرها كذلك- نظامٌ داخليٌّ للحكم يتحقَّق به قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ (المائدة: 49)..
    ونظام للعلاقات الدولية يتحقق به قول القرآن الكريم: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (البقرة: 143)..
    ونظام عملي للقضاء، ونظام اقتصادي، ونظام للثقافة والتعليم، إلى غير ذلك من مجالات الحياة..
    والدولة التي تقود الدول الإسلامية، وتضم شتات المسلمين وتستعيد مجدهم، وترد عليهم أرضهم المفقودة وأوطانهم المسلوبة وبلادهم المغصوبة، ثم تحمل عَلَمَ الجهاد ولواءَ الدعوة إلى الله، حتى تسعد العالم بتعاليم الإسلام".
    ومن خلال علْم هذا التحديد لطبيعة المهمة المنوطة بنا لنهضة الأمة واستعادة مجدها، يجب علينا أن:
    أولاً: نستشعر عِظَم المهمة وثِقَل الأمانة التي في أعناقنا، والتي تحتاج إلى تضافر الجهود وتوحِّد الصفوف واستمرار العطاء والتضحية في سبيل تحقيق هذه المهمة العظيمة.
    ثانيًا: أن تُبيَّن للناس حدودُ هذا الإسلام واضحةً كاملةً بينةً، لا زيادةَ فيها ولا نقصَ بها ولا لبسَ معها.
    ثالثًا: أن نطالبهم بتحقيقها، ونحملهم على إنقاذهم، ونأخذهم بالعمل بها.
    رابعًا: أن عمادنا في ذلك كله كتابُ الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والسنة الصحيحة الثابتة عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، والسيرة المُطهَّرة لسلف هذهالأمة.
    خامسًا: أن تجاهد في سبيل تحقيق فكرتنا، ونكافح لها ما حيينا، وندعوا الناس جميعًا إليها.
    سادسًا: أن نبذل كل شيءٍ في سبيلها، فنحيا بها كرامًا أو نموت كرامًا، ويكون شعارنا الدائم: الله غايتنا، والرسول زعيمنا، والقرآن دستورنا، والجهاد سبيلنا، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا.
    إن وضوح طبيعة المهمة والرسالة التي نحملها تحدد لنا بوضوحٍ: من نحن؟! وما هي دعوتنا؟! وفي ذلك يقول الإمام البنا: "فاذكروا جيدًا أيها الإخوة أنكم الغرباء الذين يَصلُحُون عند فساد الناس، وأنكم العقل الجديد الذي يريد الله أن يفرق به للإنسانية بين الحق والباطل، وأنكم دعاة الإسلام، وحملة القرآن، وصلة الأرض بالسماء، وورثة محمد- صلى الله عليه وسلم- وخلفاء صحابته من بعده".
    فهل أدركنا حقيقة المهمة وطبيعة الرسالة؟! إنها مهمة الأنبياء والمرسلين وكل الدعاة والمصلحين.
    نسأل الله أن يجعلنا من حَمَلَةِ هذا الدين ومن ورثة الحبيب محمد صلى الله علية وسلم.. أمين.
    avatar
    Admin
    Admin
    Admin

    الوقت هو الحياة :
    عدد المساهمات : 141
    نقاط : 384
    السٌّمعَة : 0
    تاريخ التسجيل : 28/09/2012

    الأهداف

    مُساهمة من طرف Admin في السبت نوفمبر 17, 2012 9:58 pm

    ثالثًا: الأهداف
    إن دعوة الإخوان المسلمين لها من الأهداف العظمية، والتي تسعى إلى تحقيقها، وتقدِّم في سبيلها الكثير من التضحيات والبذل والعطاء، وهم يعلمون أن أصحاب الدعوات والأهداف والمبادئ لديهم مهمةٌ عظيمةٌ وأمانةٌ ثقيلةٌ تحتاج إلى همم الرجال وصدق المخلصين وعزائم المجاهدين والدعاة المصلحين من أبناء هذه الأمة.
    ولذا حرص الإمام البنا- رحمه الله- أن يوضِّح لجميع أبناء الأمة الإسلامية والعالم أجمع حقيقةَ هذه الأهداف، وما ينبغي السعي لتحقيقه، وكان- رحمه الله- موفَّقًا في هذا، لا يدعُ هناك مجالاً للبسٍ أو لشكٍّ حول ماذا نريد وكيف نسعى إليه؟!
    وعندما نتناول ما ذكره الإمام البنا في رسائله نستطيع أن نستخلص هذه الأهداف من بين هذه العبارات المحددة والدقيقة، فيقول الإمام البنا- رحمه الله- في رسالة بين الأمس واليوم: "ماذا نريد أيها الإخوان؟!.. أنريد جمعَ المال وهو ظلٌ زائلٌ؟! أم سعةَ الجاه وهو عرضٌ حائلٌ؟! أم نريد الجبروت في الأرض ﴿إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ (الأعراف: من الآية 128) ونحن نقرأ قول الله- تبارك وتعالى-: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83)﴾ (سورة القصص)؟!
    شهد الله أننا لا نريد شيئًا من هذا، وما لهذا عَمِلنا، ولا إليه دعونا، ولكن اذكروا دائمًا أن لكم هدفين أساسيين:
    * أن يتحرر الوطن الإسلامي من كل سلطانٍ أجنبيٍّ، وذلك حقٌّ طبيعيٌّ لكل إنسان لا ينكره إلا ظالمٌ جائرٌ أو مستبدٌ قاهرٌ.
    * أن تقوم في هذا الوطن دولةٌ إسلاميةٌ حرةٌ تعمل بأحكام الإسلام وتطبق نظامه الاجتماعي، وتعلن مبادئه القويمة وتبلِّغ دعوته الحكيمة الناس، وما لم تقم هذه الدولة فإن المسلمين جميعًا آثمون مسئولون بين يدي الله العلي الكبير عن تقصيرهم في إقامتها وقعودهم عن إيجادها.
    ومن الحقوق للإنسانية في هذه الظروف الحائرة أن تقوم فيها دولةٌ تهتف بالمبادئ الظالمة، وتنادي بالدعوات الغاشمة، ولا يكون في الناس من يعمل لتقوم دولة الحق والعدالة والسلام".
    وخلاصة القول في ذلك أن أهدافنا العامة التي نسعى لتحقيقها تتلخَّص في:
    "تحرير الوطن الإسلامي من كل سلطان أجنبي، وتكوين دولة إسلامية حرة تعمل بأحكام الإسلام، ومن ثم لا ينبغي لأحد- مهما كان شأنه ومكانته- أن يصرف وجهةَ هذه الدعوة المباركة عن تحقيق هذه الأهداف الكلية التي هي مناط التكليف لكل المسلمين والدعاة والمصلحين، وربما قد نتعرض في سبيل تحقيق ذلك إلى مِحَن شديدة وابتلاءات عظيمة وتضحيات جِسَام، فلا يقف ذلك في عصرنا؛ لأن الهدف والغاية الأسمى هي إرضاء الله- عز وجل- وابتغاء مثوبته وجنته".
    "كل نعيمٍ دون الجنة حقير، وكل ابتلاء دون النار عافية، وربما تظهر بعض الدعوات التي تتنازل شيئًا فشيئًا عن الوصول إلى تحقيق هذه الأهداف السامية بُغيَة الوصول إلى نعيم دنيوي أو منصب حياتي، والكل يعلم أن الأيام دُوَلٌ، ولن تبقى الأمور على حالها، ولكن المهم أن يثبت أصحاب الدعوات على مواقفهم ومبادئهم وأهدافهم، دون نظر لمغنم أو جاه".
    ولعل في بداية حديث الإمام البنا في العبارة السابقة يقول: "أنريد جمعَ المال وهو ظل زائل؟!، أم سَعَةَ الجاه وهو عرض حائل؟!.. فنحن لا نريد إلا ما أراده الله لنا: "لقد ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن جَوْر الأديان إلى عدالة الإسلام".
    ولتحقيق هذه الأهداف العامة أو الكلية هناك أهداف تفصيلية أو فرعية، بتحقيقها تحقق الأهداف العامة التي ننشدها، ولقد حدد ذلك الإمام البنا في رسالة التعاليم في مراتب ركن العمل، فيقول- رحمه الله-: "ومراتب العمل المطلوبة من الأخ الصادق:
    1- إصلاح نفسه: حتى يكون قويَّ الجسم، متين الخلق، مثقف الفكر، قادرًا على الكسب، سليم العقيدة، صحيح العبادة، مجاهدًا لنفسه، حريصًا على وقته، منظَّمًا في شئونه، نافعًا لغيره، وذلك واجب كل أخ على حدته.
    2- وتكوين بيت مسلم: بأن يحمل أهله على احترام فكرته، والمحافظة على آداب الإسلام في كل مظاهر الحياة المنزلية، وحسن اختيار الزوجة، وتوقيفها على حقها وواجباتها، وحسن تربية الأولاد والخدم وتنشئتهم على مبادئ الإسلام، وذلك واجب كل أخٍ على حدته.
    3- وإرشاد المجتمع: بنشر دعوة الخير فيه، ومحاربة الرذائل والمنكرات، وتشجيع الفضائل، والأمر بالمعروف، والمبادرة إلى فعل الخير، وكسب الرأي العام إلى جانب الفكرة الإسلامية، وصبغ مظاهر الحياة العامة بها دائمًا، وذلك واجب كل أخ على حدته، وواجب الجماعة كهيئة عامة.
    4- وتحرير الوطن بتخليصه من كل سلطان أجنبي غير إسلامي سياسي أو اقتصادي أو روحي.
    5- وإصلاح الحكومة حتى تكون إسلاميةً بحق، وبذلك تؤدِّي مهمتها كخادمٍ للأمة وأجيرٍ عندها وعاملٍ على مصلحتها، والحكومة إسلاميةٌ ما كان أعضاؤها مسلمين مؤيدين لفرائض الإسلام، غير متجاهرين بعصيان، وكانت منفذةً لأحكام الإسلام وتعاليمه، ولا بأس بأن تستعين بغير المسلمين عند الضرورة في غير مناصب الولاية العامة ولا عبر بالشكل الذي تتخذه ولا بالنوع، ما دام موافقًا للقواعد العامة في نظام الحكم الإسلامي.
    6- إعادة الكيان الدولي للأمة الإسلامية: بتحرير أوطانها وإحياء مجدها، وتقريب ثقافتها وجمع كلمتها حتى يؤديَ ذلك كلُّه إلى إعادة الخلافة المفقودة والوحدة المنشودة.
    7- وأستاذية العالم بنشر دعوة الإسلام في ربوعه.
    وهذه المراتب الأربعة الأخيرة تجب على الجماعة متحدةً، وعلى كل أخٍ باعتباره عضوًا في الجماعة، وما أثقلها تبعاتٍ!! وما أعظمها مهماتٍ!!، يراها الناس خيالاً ويراها الأخ المسلم حقيقةً، ولن نيأس أبدًا، ولنا في الله أعظم الأمل: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (21)﴾ (سورة يوسف).
    إن هذه الأهداف التي حدَّدها الإمام البنا في ركن العمل تمثِّل المرجعية الفكرية والحركية والدعوية لجماعة الإخوان المسلمين، كما تمثِّل الإطار الحاكم للعمل من أجل تحقيق الغاية والأهداف العامة التي تسعى الجماعة لتحقيقها، وعندما ندقِّق النظر والرؤية في هذه الأهداف نخلص إلى الآتي:
    أولاً: تكامل الأهداف: فبداية الإصلاح هو الفرد والبيت والمجتمع، ولا يمكن بناء مجتمع دون بيوت مسلمة، ولا نستطيع تكوين بيوت مسلمة إلا بوجود الفرد المسلم (الزوج والزوجة) أساسًا للبناء والنهضة والتغيير، وهذه المراتب الثلاثة تسير جنبًا إلى جنب بصورةٍ مترابطةٍ ومتكاملةٍ، كما أنها تسلِّم بعضها بعضًا.
    ثانيًا: شمول الأهداف: فمراتب ركن العمل التي ذكرها الإمام البنا تناولت كل عناصر النهضة؛ فلم يكتفِ الإمام بمرتبة إصلاح الفرد وتكوين البيت وإرشاد المجتمع، بل كان حريصًا على تحرير الأوطان، وإصلاح الحكومة، وإعادة الكيان الدولي للأمة الإسلامية وأستاذية العالم، فتصبح هذه الأهداف الشاملة لجميع جوانب الإصلاح المنشود تمثِّل الإطار العام لجهود المصلحين والدعاة والمخلصين من أبناء الأمة.
    ثالثًا: واقعية الأهداف: لأن هذه الأهداف تسعى إلى إحداث تغيير تدريجي وليس فوريًّا.. تغيير جذري لا فوقي، وعميق لا سطحي، تشارك فيه الأمة ولا ننوب عنها
    ولقد تحققت هذه الأهداف بنسبٍ متفاوتة، ولكن إجمالاً لا يمكن تحقيقُها وتطبيقُها، وليست خيالاً وآمالاً صعبةَ المنال.
    رابعًا: دقة الأهداف: فصياغة كل هدف مُحكَمةٌ ودقيقة ومُعبِّرة عن المقصود، فعندما تحدَّث الإمام عن مرتبة الفرد وصفها بـ"إصلاح الفرد نفسه"؛ لأن بناء الفرد وشخصيته تحتاج إلى إصلاح تنمية الجوانب الإيجابية وعلاج جوانب القصور والضعف
    وعندما تكلم عن مرتبة البيت وضع تكوين البيت المسلم الذي يتكون من الزوج المسلم والأخت المسلمة، وهما أساسا تكوين هذا البيت المسلم.
    وعندما تحدث عن مرتبة المجتمع وصفها إرشاد المجتمع؛ لأن المجتمع يحتاج إلى الإرشاد والتوجيه حتى يتصف بالمجتمع المسلم الراشد.
    ثم يتبع ذلك مرتبة تحرير الوطن من كل سلطان أجنبي غير إسلامي، سياسي أو اقتصادي أو ثقافي، وهو وصفٌ مُعبِّر عن تحرر الأوطان والشعوب من الهيمنة بكل صورها السياسية والعسكرية، والاقتصادية والثقافية.
    وعندما تناول مرتبة الحكومة وصفها بإصلاح الحكومة حتى تكون إسلاميةً بحق، وهذا يحدد طبيعة هذه الدعوة بأنها تسعى للإصلاح من أجل تكوين حكومة إسلامية بحق، بغض النظر من يحكم؛ لأن العبرة بتطبيق المنهاج والنظام، وليس بالأشخاص والدعوات.
    ثم يصف الإمام الخلافة الإسلامية بإعادة الكيان الدولي للأمة الإسلامية، وهذا تعبير دقيق عن واقع الأمة التي كانت لها خلافة واحدة وخليفة واحد، تمزقت بعد ذلك إلى دول ودويلات صغيرة، فكان الهدف هو إعادة هذا الكيان الدولي لهذه الأمة، ثم مرتبة أستاذية العالم، وهو تعبير حضاري راقٍ عن أمة وحضارة إنسانية رائعة تنطلق من سموِّ دعوتها وصلتها بالله- عز وجل- حتى يسود الحب والوئام في العالم أجمع.
    خامسًا: معيارية الأهداف: فنجد أن الإمام البنا في كل مرتبة من مراتب ركن العمل يحدد لكل مرتبة أو هدف مظاهرَ تُحقِّقه والتي يمكن القياس عليها في مدى تحقق الهدف؛ ففي مرتبة الفرد المسلم يحدد صفات المسلم العشر- مثقف الفكر، متين الخلف...إلخ- كمظاهر تحقُّقٍ لها.
    وفي مرتبة البيت المسلم يحدِّد الإمام البنا مواصفات هذا البيت بأن يحمل أهله على احترام فكرته، والمحافظة على الأبواب الإسلامية، وفي مرتبة إرشاد المجتمع يحدِّد مظاهر تحقق ذلك بنشر دعوة الخير ومحاربة الرذائل والمنكرات، وكسبه الرأي العام إلى جانب الفكرة الإسلامية، وهكذا في باقي الأهداف.
    سادسًا: مستويات تحقيق الأهداف: فمرتبة إصلاح الفرد لنفسه وتكوين البيت المسلم مهمةُ كل أخٍ على حدته، ومرتبة إرشاد المجتمع مهمة كل أخٍ على حدته ومهمة الجماعة كهيئة عامة، ثم باقي المراتب الأربع تجب على الجماعة متحدةً وعلى كل أخ باعتباره عضوٍ فيها.
    وبالتالي يستطيع الفرد- كل فرد- أن يحدِّد دوره ومهمته في تحقيق هذه الأهداف بصورةٍ متكاملةٍ ومتوازنةٍ بين الدور الفردي والجماعي.
    خصائص ومميزات :
    لقد تميَّزت دعوة الإخوان المسلمين بالعديد من الخصائص والصفات التي جعلتها ذات تأثير قوي وفعَّال في كثيرٍ من المجتمعات والشعوب رغم اختلاف أجناسهم وعروقهم ولغاتهم وثقافاتهم، فاستطاعت أن تربطهم بالله- عزَّ وجل- والرجوع إلى كتابه الكريم واتباع سنة الحبيب المصطفى- صلى الله عليه وسلم- والاقتداء به في واقعهم وحياتهم وسلوكهم، واستطاعت أيضًا أن تُعمِّق الفهمَ الصحيح للإسلام وشموله لجميع مجالات الحياة والعمل على تحقيق وتطبيق المنهج الإسلامي والسعي لإقامة الدولة الإسلامية المنشودة.
    كما ساهمت هذه الخصائص والمميزات على استمرارية هذه الدعوة وقيامها بدورها في إحياء الأمة الإسلامية وتوجيهها نحو الترابط والوحدة فيما بينها.. كل هذا رغم ما تعرضت له الدعوة من محنٍ شديدة وابتلاءات متعددة على مدار ثمانين عام تقريبًا فما وهنت وما ضعفت وما استكانت، ولكنها تزداد قوةً وانتشارًا وتأثيرًا بتوفيق من الله سبحانه وتعالى أولاً ثم بفضل هذه الخصائص والمميزات التي تميزت لها، ومن هذه الخصائص:
    يتبع
    avatar
    Admin
    Admin
    Admin

    الوقت هو الحياة :
    عدد المساهمات : 141
    نقاط : 384
    السٌّمعَة : 0
    تاريخ التسجيل : 28/09/2012

    الخصائص

    مُساهمة من طرف Admin في السبت نوفمبر 17, 2012 10:02 pm

    أولاً: ربانية الدعوة
    يصف الإمام البنا- رحمه الله- هذا المعنى في رسالة (دعوتنا في طور جديد) فيقول: "أما أنها ربانية فلأن الأساس الذي تدور عليه أهدافنا جميعًا أن يتعرف الناس إلى ربهم، وأن يستمدوا من فيض هذه الصلة روحانية كريمة تسمو بأنفسهم عن جمود المادة الصمَّاء وجموحها إلى طهر الإنسانية الفاضلة وجمالها، ونحن الإخوان نهتف من كل قلوبنا (الله غايتنا)، فأول أهداف هذه الدعوة أن يتذكر الناس من جديدٍ هذه الصلة التي تربطهم بالله تبارك وتعالى والتي نسوها فأنساهم الله أنفسهم ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21)﴾ (البقرة).
    ومن هذا الوصف الدقيق يتبين لنا أن هذه الدعوة ليست لها غاية إلا رضاء الله- عز وجل-، وليست لها أهداف إلا أن يتعرف الناس إلى ربهم وتقوي صلتهم بالله عزَّ وجل.. ودعوةٌ هذا وصفها لجديرة بأن تكون لها هذه المكانة في قلوب الناس؛ لأنها لا تبتغي مغنمًا من مغانم الدنيا وزينتها ولا جاهًا ومناصب يتكالب عليها الناس، فهي أسمى من ذلك كله لأنها ترجو ما عند الله- عزَّ وجل- من جنته ورضوانه، ولكي تتحقق هذه الصفة الربانية فإنها تتطلب عدة واجبات منها:
    * الإخلاص وتجديد النية في كل عملٍ وقولٍ وفعلٍ بما يتوافق مع ربانية هذه الدعوة.
    * الحرص على الطاعات والعبادات والأعمال التي تقوي الصلة بالله عز وجل.
    * تهذيب النفس وتطهير القلب ونموّ الروح، وما يتطلب ذلك من مشارطة ومعاهدة للنفس، ودوام للمراقبة لها، ومحاسبتها على تقصيرها، واستمرار مجاهدة النفس وتعويدها على المكاره؛ مصداقًا لقول رسولنا الكريم: "حُفَّت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات".
    * تحقيق القدوة العملية والسلوكية كمردودٍ طبيعي لربانية الداعية، كما وصفت السيدة عائشة رضوان الله عليها النبي- صلى الله عليه وسلم- بقولها: "كان خلقه القرآن، كان قرآنًا يمشي على الأرض".
    * غرس هذه القيمة والصفة في نفوس أبناء هذه الأمة في دوائرنا المختلفة (الأهل والعشيرة- الأقارب- الجيران- الزملاء)، حتى تصبح سلوكًا لهذه الأمة، ويروى عن حال المسلمين في أيام الدولة الأموية "أنه في عهد الوليد بن عبد الملك انشغل الناس بالطعام والشراب لكثرة انشغاله به، وفي عهد عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد- انشغل الناس بالذكر والدعاء والصلاة والصيام والقيام لشدة انشغاله به"، ومن هنا لزم علينا أن نحرص أشد الحرص على إحياء هذه القيمة العظيمة لهذه الدعوة المباركة في نفوسنا ونفوس أبناء هذه الأمة.

    ثانيًا: إسلامية الفكرة

    قد تتعدد الرؤى والأفكار التي تنادي بالإصلاح والتغيير، وقد يثبت بعد مرور الوقت عدم صحتها أو جدواها في إحداث الإصلاح المنشود، ومن هنا حرص الإمام البنا- رحمه الله- أشد الحرص على توضيح مرجعية الفكرة الإسلامية التي نحملها وأنها لا تنفصل عن الإسلام قيد أنملة، فيقول- رحمه الله- في رسالة دعوتنا: "دعوتنا أجمع ما توصف به أنها إسلامية ولهذه الكلمة معنى واسع غير المعنى الضيق الذي يفهمه الناس، فإنا نعتقد أن الإسلام معنى شامل ينتظم شئون الحياة جميعًا ويفتي في كل شأنٍ منها، ويضع له نظامًا محكمًا دقيقًا، ولا يقف مكتوفًا أمام المشكلات الحيوية والنظم التي لا بد منها لإصلاح للناس.. أجل دعوتنا إسلامية بكل ما تحمل الكلمة من معانٍ، فافهم ما شئت بعد ذلك وأنت في فهمك هذا مقيد بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة السلف الصالح من المسلمين".

    إن هذا التأكيد الواضح والدقيق على إسلامية الفكرة ومرجعيتها يتطلب منا عدة أمور منها:
    * الاعتقاد الجازم بسلامة الفكرة وصحة منهجها المستمد من الإسلام وتعاليمه.
    * الفهم الواضح للمنهج الإسلامي في التغيير والإصلاح.
    * السعي الجاد لتعميق الفكرة الإسلامية في نفوس أبناء الأمة بكل الوسائل الممكنة والمتاحة.
    * عدم التراجع أو التخلي عن الفكرة الإسلامية تحت الضغوط أو المحن أو الانحرافات فالثبات على الفكرة قوة وانتصار في حقيقة الأمم.
    * عدم الخديعة بغير هذه الفكرة الإسلامية من أطروحات ورؤى تحت دعوى الواقعية والتجديد والتمشي مع متطلبات العصر المرحلية، وغير ذلك فيما يحاول أعداء الإسلام ترويجه وإشاعته في عقول أبناء هذه الدعوة والأمة جمعاء.

    ثالثًا: شمولية المنهج

    لقد اتسمت دعوة الإخوان المسلمين بالشمول في جميع نواحي الإصلاح في الأمة، ولم تترك، أو تهمل مجالاً من المجالات المنوطة بالإصلاح والتغيير.
    وفي هذا يقول إمامنا الشهيد حسن البنا في رسالة المؤتمر الخامس: (كان من نتيجة هذا الفهم العام الشامل للإسلام عند الإخوان المسلمين أن شملت فكرتهم كل نواحي الإصلاح في الأمة، وتمثَّلت فيها كل عناصر غيرها من الفِكَر الإصلاحية، وأصبح كل مخلصٍ غيورٍ يجد فيها أمنيته، والتقت عندها آمال محبي الإصلاح الذين عرفوها وفهموا مراميها،

    وتستطيع أن تقول ولا حرج عليك أن الإخوان المسلمين:
    دعوة سلفية: لأنهم يدعون إلى العودة بالإسلام إلى معينه الصافي من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
    وطريقة سنية: لأنهم يحملون أنفسهم على العمل بالسنة المطهرة في كل شيء، وبخاصة في العقائد والعبادات ما وجدوا إلى ذلك سبيلاً.
    وحقيقة صوفية: لأنهم يعلمون أن أساس الخير طهارة النفس، ونقاء القلب، والمواظبة على العمل والإعراض عن الخلق، والحب في الله والارتباط بالخير.
    وهيئة سياسية: لأنهم يطالبون بإصلاح في الحكم في الداخل وتعديل النظر في صلة الأمة الإسلامية بغيرها من الأمم في الخارج، وتربية الشعوب على العزة والكرامة والحرص على قوميته إلى أبعد حد.
    وجماعة رياضية: لأنهم يعنون بجسومهم، ويعلمون أن المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف، وأن النبي- صلى الله عليه وسلم- يقول: "إن لبدنك عليك حقًّا"، وإن تكاليف الإسلام كلها لا يمكن أن تؤدى صحيحة إلا بالجسم القوي.
    ورابطة علمية ثقافية: لأن الإسلام يجعل طلب العلم فريضةً على كل مسلم ومسلمة ولأن أندية الإخوان هي في الواقع مدارس للتعليم والتثقيف ومعاهد لتربية الجسم والعقل والروح.
    وشركة اقتصادية: لأن الإسلام يعنى بتدبير المال وكسبه من وجهه وهو الذي يقول عنه نبيه- صلى الله عليه وسلم- "نعم المال الصالح للرجل الصالح"، ويقول رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "من أمسى كالاً من عمل يده أمسى مغفورًا له"، "إن الله يحب المؤمن المحترف".
    وفكرة اجتماعية: لأنهم يعنون بأدواء المجتمع الإسلامي ويحاولون الوصول إلى طرق علاجها وشفاء الأمة منها".
    وهكذا نرى أن شمول معنى الإسلام قد أكسب فكرتنا شمولاً لكل مناحي الإصلاح، ووجه نشاط الإخوان إلى كل هذه النواحي، وهم في الوقت الذي يتجه فيه غيرهم إلى ناحية واحدة دون غيرها، يتجهون إليها جميعًا، ويعلمون أن الإسلام يطالبهم بها جميعًا.

    ويحدد الإمام البنا- رحمه الله- في رسالة "الإخوان تحت راية القرآن": طبيعة هذه الدعوة وأنها شاملة لكل الجوانب والمجالات فيقول: "لسنا حزبًا سياسيًّا وإن كانت السياسة على قواعد الإسلام من صميم فكرتنا، ولسنا جمعية خيرية إصلاحية وإن كان عمل الخير والإصلاح من أعظم مقاصدنا، ولسنا فرقًا رياضيةً وإن كانت الرياضة البدنية والروحية من أهم وسائلنا، لسنا شيئًا من هذه التشكيلات فإنها تبررها غاية موضعية محدودة لمدة محدودة، وقد لا يوحي بتأليفها إلا مجرد الرغبة في تأليف هيئة والتحلي بالألقاب الإدارية فيها، ولكننا أيها الناس فكرة وعقيدة، ونظام ومنهج، لا يحده موضع ولا يقيده جنس، ولا يقف دونه حاجز جغرافي، ولا ينتهي بأمر حتى يرث الله الأرض ومن عليها، ذلك لأنه نظام رب العالمين، ومنهاج رسوله الأمين".

    إن هذا الشمول الذي تتسم به هذه الدعوة والمنبثق من الفهم الشامل الصحيح للإسلام يوجب علينا عدة أمور منها:
    * الاستيعاب الجيد لجميع مجالات الدعوة وأنشطتها المختلفة والترابط فيما بينها.
    * الحرص على التنفيذ العملي والتطبيقي لجميع مجالات الدعوة في واقعنا الفردي والأسري والمجتمعي.
    * إحداث التوازن المطلوب بين مجالات الدعوة المتعددة وعدم تغليب جانب على آخر الحرص على إكساب وتنمية المهارات المطلوبة لتحقيق وتطبيق هذه المجالات في الواقع.
    * عدم التنازل عن أي مجال من مجالات الدعوة تحت أي ظرف كان أو تأثير بالضغوط أو الإغراءات أو أي محاولة لصرفنا عن هذا الشمول تحت دعوى أن يكون لنا حزب أو غير ذلك، ولنعلم أن الإخوان المسلمين هيئة شاملة والعمل السياسي أحد مجالاتها، والحزب السياسي أحد وسائل العمل السياسي، بهذا الفهم تستقيم الأمور وتتوحد الجهود والتصورات ونستطيع أن نحقق المراد.

    رابعًا: التجرد للفكرة الإسلامية

    ومن خصائص هذه الدعوة التجرد للفكرة الإسلامية مما سواها من المبادئ والأشخاص، لأنها أسمى الفكر وأجمعها وأعلاها ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ (البقرة من الآية 138).

    ويعبر الإمام البنا عن ذلك في رسالته دعوتنا بقوله: "ونحب أن يعلم قومنا أن دعوة الإخوان المسلمين دعوة بريئة نزيهة، قد تسامت في نزاهتها حتى جاوزت المطامع الشخصية، واحتقرت المنافع المادية، وخلفت وراءها الأهواء والأغراض، ومضت قدمًا في الطريق التي رسمها الحق تبارك وتعالى للداعين: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي﴾ (يوسف: من الآية 108)، فلسنا نسأل الناس شيئًا، ولا نقتضيهم مالاً، ولا نطالبهم بأجر، ولا نتزيد بهم وجاهة، ولا نريد منهم جزاءً ولا شكورًا إن أجرنا إلا على الذي فطرنا".

    بهذه الكلمات الواضحة حدد الإمام البنا طبيعة هذه الدعوة وسمو مقصدها ومنهجها ووسائلها التي من خلالها تسعى وتعمل لتحقيق الغاية الأسمى وهي التمكين لدين الله في الأرض، ومن هنا لزم على كل من يحمل هذه الدعوة وينسب إليها عدة أمور منها:
    * الارتباط بالفكرة والمنهج التي من أجلها نعمل، واستيعاب ما يتعلق بها.
    * عدم الارتباط بالأشخاص أو الأفكار الفردية والتي لا تصب في مصلحة الدعوة.
    * التسامي عن المطامع الشخصية والمنافع والمادية حتى يكون منا جندي فكرة وعقيدة لا جندي غرض ومنفعة.
    * ترك الأهواء والأغراض الشخصية وحظوظ النفس حتى نكون من الذين خلت نفوسهم من حظ أنفسهم فيتنزل عليهم نصر الله وتمكينه لهم في الأرض.

    خامسًا: عالمية الدعوة

    إن دعوة الإخوان لم توجه إلى قطر دون آخر أو إلى جنس دون آخر، ولكنها موجهة إلى الناس كافة، وفي ذلك يقول الإمام البنا في رسالة "دعوتنا في طور جديد": "وأما أنها عالمية فلأنها موجهة إلى الناس كافة لأن الناس في حكمها إخوة، أصلهم واحد، وأبوهم واحد، ونسبهم واحد، لا يتفاضلون إلا بالتقوى، وبما يقدم أحدهم للمجموعة من خير سابغ وفضل شامل ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ (النساء: من الآية 1).
    فنحن لا نؤمن بالعنصرية الجنسية، ولا نشجع عصبية الأجناس والألوان، ولكننا ندعو إلى الإخوة العادلة بين بني الإنسان"، وعلى هذا الدرب سارت دعوة الإخوان منذ نشأتها حتى يومنا هذا فلم تنغلق على قطر بل انتشرت في ربوع العالم بمختلف أجناسه ولغاته وثقافاته، واستطاعت أن تحيي قيم الإسلام ومبادئه في نفوس أجيال متعاقبة في أقطار متعددة رباطهم واحد، ولائهم واحد، هدفهم واحد، منهجهم واحد دون نظر لجنس أو لون أو عرق، فحق فيهم قول الإمام البنا: "أنتم روح جديد تسري في هذه الأمة فتحييها بالقرآن".

    ومن هنا وجب علينا عدة أمور منها:
    * استشعار عالمية هذه الدعوة، واستشعار عظم المسئولية تجاه الأمة والعالم بأسره.
    * التضامن الكامل مع قضايا العالم الإسلامي بكل الصور والوسائل الممكنة.
    * التعريف بالدعوة ومبادئها وأفكارها في كل موضع في هذا العالم حتى نكون نعم السفراء لهذه الدعوة.
    * الدعاء بورد الرابطة الذي يجمع بين قلوب أصحاب هذه الدعوة مهما تباعدت المسافات بينهم.

    سادسًا: التدرج في الخطوات

    لقد حرص الإمام البنا- رحمه الله- على اقتفاء أثر النبي- صلى الله عليه وسلم- واتباع منهجه في بناء الدولة الإسلامية الأولى؛ فلذلك اعتمد الإمام البنا التربية منهجًا وسبيلاً لإعداد الصف المؤمن القادر على إنفاذ أهداف الدعوة المنشودة، كما اعتمد التدرج والمرحلية أسلوبًا للحركة بالدعوة والتعريف بها.

    ولقد أوضح الإمام البنا هذا النهج في الدعوة في رسالة المؤتمر الخامس بقوله: "وأما التدرج والاعتماد على التربية ووضع الخطوات في طريق الإخوان المسلمين فذلك لأنهم اعتقدوا أن كلمة دعوة لا بد لها من مراحل ثلاث:
    * مرحلة الدعاية والتعريف والتبشير بالفكرة وإيصالها إلى الجماهير من طبقات الشعب.
    * ثم مرحلة التكوين وتخير الأنصار وإعداد الجنود وتعبئة الصفوف من بين هؤلاء المدعوين.
    * ثم مرحلة التنفيذ والعمل والإنتاج.

    وكثيرًا ما تسير هذه المراحل الثلاث جنبًا إلى جنب نظرًا لوحدة الدعوة وقوة الارتباط بينها جميعًا، فالداعي يدعو، وهو في الوقت نفسه يتخير ويربي أو النتيجة الكاملة لا تظهر إلا بعد عموم الدعاية وكثرة الأنصار ومتانة التكوين".

    ولقد تميَّزت دعوة الإخوان بهذه الخاصية التي جمعت فيها بين الانتشار والجماهيرية من ناحية وبين الاصطفاء وتخير الأنصار وإعدادهم؛ ولذلك وصفها بعض الدعاة بأنها دعوة جماهيرية اصطفائية، وكل مرحلة من هذه المراحل الثلاث للتعريف والتكوين والتنفيذ لها من الوسائل والأنشطة التي تحققها، ومن هنا نستشعر واجباتنا في تلك المرحلة الراهنة، والتي تمر بنا، ومن ذلك:
    * نشر الدعوة وشرح الفكرة بأسلوب واضح لا لبس فيه ولا غموض ويناسب كل شريحة أو فئة.
    * حسن اختيار الأنصار وإعداد الرجال الذين يحملون عبء هذه الدعوة.
    * التوازن الدقيق بين المراحل الثلاث وعدم تغليب جانب على آخر. والتداخل والتكامل بين المراحل الثلاث عند التنفيذ مع إعطاء الأولوية للتربية والتكوين لأنها بمثابة العمود الفقري لهذه الدعوة.
    * عدم التعجيل في الخطوات دون مراعاة لدقة الإنجاز وأثره في البناء المنشود.
    * اليقين بأن هذه الخطوات والمراحل لا بديل عنها مهما تغيرت الظروف والأحوال لأنها تمثل التغيير على منهاج النبوة.

    سابعًا: دعوة تجمع ولا تفرق

    إن أهم ما يميز دعوة الإخوان أنها تجمع القلوب حولها لأنها تحرص على وحدة المسلمين وترابطهم، وتوقن أن وحدة الأمة الإسلامية سر قوتها ونهضتها، وفي ذلك يقول الإمام البنا في رسالة دعوتنا: "فاعلم- فقهك الله- أولاً أن دعوة الإخوان المسلمين دعوة عامة لا تنتسب إلى طائفة خاصة، ولا تنحاز إلى رأي عرف عند الناس بلون خاص ومستلزمات وتوابع خاصة، وهي تتوجه إلى صميم الدين ولبه، وتود أن تتوحد وجهة الأنظار والهمم حتى يكون العمل أجدى والإنتاج أعظم وأكبر، فدعوة الإخوان دعوة بيضاء غير ملونة بلون، وهي مع الحق أينما كان، تحب الإجماع وتكره الشذوذ، وأن أعظم ما مني به المسلمون الفرقة والخلاف، وأساس ما انتصروا به الحب والوحدة، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح أولها، هذه قاعدة أساسية وهدف معلوم لكل أخ مسلم، وعقيدة راسخة في نفوسنا، نصدر عنها وندعو إليها.

    ومن هنا وجب علينا أن نحقق هذه الوحدة بين أبناء الأمة الإسلامية وهذا يستلزم عدة أمور منها:
    - إشاعة روح الحب والوحدة والترابط بين أبناء الأمة ولو اختلفت آراؤهم وأفكارهم فكما يقال الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية.
    - التعاون بين العاملين للإسلام إعمالاً للقاعدة الذهبية نتعاون فيما اتفقنا فيه ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه.
    - عدم التعصب للرأي، وندور مع الحق حيثما كان، فالحق أحق أن يتبع.
    - توحيد الجهود والطاقات في القضايا الأساسية للأمة الإسلامية.

    ثامنًا: البعد عن مواطن الخلاف

    ولقد فقه الإمام البنا- رحمه الله- هذه المسألة منذ نشأة الدعوة وتأسيسها، وكان حريصًا أشد الحرص على عدم الخوض في الخلافات الفقهية في الأمور الفرعية، ولذا نجده يوجه الإخوان ويرشدهم في رسالة المؤتمر الخامس فيقول: (فأما البعد عن مواطن الخلاف الفقهي فلأن الإخوان يعتقدون أن الخلاف في الفرعيات أمر ضروري، إذ إن أصول الإسلام آيات وأحاديث وأعمال تختلف في فهمها وتصورها العقول والأفهام، لهذا كان الخلاف واقعًا بين المسلمين، وما زال كذلك وسيظل إلى يوم القيامة، وليس العيب في الخلاف ولكن العيب في التعصب للرأي والحجر على عقول الناس وآرائهم).

    ثم يؤكد الإمام البنا على هذا المعنى في رسالة دعوتنا ويسوق أدلته بقوله: "ونحن نعتقد أن الخلاف في فروع الدين أمر لا بد منه ولا يمكن أن تتحد في هذه الفروع والآراء والمذاهب لأسباب عدة: اختلاف العقول في قوة الاستنباط أو ضعفه.. سعة العلم وضيقه.. واختلاف البيئات، وكل هذه الأسباب جعلتنا نعتقد أن الإجماع على أمر واحد في فروع الدين مطلب مستحيل، بل هو يتنافى مع طبيعة الدين، وإنما يريد الله لهذا الدين أن يبقى ويخلد ويساير العصور ويعايش الأزمان، وهو لهذا سهل مرن هين لين لا جمود فيه ولا تشديد، ذلك منهاج الإخوان المسلمين أمام مخالفيهم في المسائل الفرعية في دين الله يمكن أن أجعله لك في: إن الإخوان يجيزون الخلاف ويكرهون التعصب بالرأي، ويحاولون الوصول إلى الحق، ويحملون الناس على ذلك بألطف وسائل اللين والحب".

    إن هذه العبارات الرائعة الموجزة من كلام الإمام المؤسس تتطلب منا عدة أمور منها:
    * عدم التعصب للرأي والحجر على عقول الناس وآرائهم.
    * الاعتقاد بأن الإجماع على أمر واحد في فروع الدين مطلب مستحيل.
    * التماس العذر كل العذر لمن يخالفوننا في بعض الفرعيات.
    * الحب والتقدير والاحترام والتفاهم في جو من الصفاء مع المخالفين لنا في الرأي.

    تاسعًا: إيثار الناحية العملية

    إن التطبيق العملي للفكرة والمبادئ التي تدعو إليها وعدم الاكتفاء بالقول من أسس نجاح دعوة الإخوان وانتشارها، ويوضح لنا الإمام البنا في رسالة المؤتمر الخامس حيثيات ذلك، فيقول: "وأما إيثار الناحية العملية على الدعاية والإعلانات فقد أثارها في نفس الإخوان ودعا إليها في منهاجهم أمورٌ منها:
    - ما جاء به الإسلام خاصًا بهذه الناحية بالذات، ومخافة أن تشوب هذه الأعمال شوائب الرياء فيسرع إليه التلف والفساد والموازنة بين هذه النظرة، وبين ما ورد في إذاعة الخير، والأمر به والمسارعة إلى إعلانه ليتعدى نفسه، أمر دقيق قلما يتم إلا بتوفيق.
    - نفور الإخوان الطبيعي من اعتماد الناس على الدعايات الكاذبة والتهريج الذي ليس من ورائه عمل، وما أنتجه هذا في الأمة من أثر سيئ وتضليل كبير وفساد ملموس.
    - ما كان يخشاه الإخوان في معالجة الدعوة بخصومة حادة أو صداقة ضارة ينتج عن كليهما تعويق في السير أو تعطيل عن الغاية.
    - كل هذه أمور وضعها الإخوان في ميزانهم وآثروا أن يسيروا في دعوتهم بجد وإسراع ولم يشعر بهم إلا من حولهم، وإن لم يؤثر ذلك إلا في محيطهم".
    ثم يحدد الإمام البنا الواجبات المنوطة بنا حتى تحقق ذلك بقوله في نفس الرسالة: "فقد وجب عليكم: أن تبينوا للناس غايتكم ووسيلتكم وحدود فكرتكم ومنهاج أعمالكم.. وأن تعلنوا هذه الأعمال على الناس لا للمباهاة بها، ولكن للإرشاد إلى ما فيها من نفع للأمة وخير لأبنائها.. احرصوا أن تكونوا صادقين لا تتجاوزون الحقيقة، وأن تكون دعايتكم في حدود الأدب الكامل والخلق الفاضل والحرص التام على جمع القلوب وتكاليف الأرواح، واستشعروا كلما ظهرت دعوتكم أن الفضل في ذلك كله لله: ﴿بَلْ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (الحجرات: من الآية 17).

    عاشرًا: شورية الجماعة

    ولقد اختارت الجماعة الشورى أساسًا لها انطلاقًا من قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ (آل عمران: من الآية 159)، ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى: من الآية 38)، واتباعًا لسنة الحبيب صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين المهديين من بعده.
    وفي ذلك يقول إمامنا الشهيد- رحمه الله- في رسالة "مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي": "ونصت على ذلك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين المهديين من بعده: إذا جاءهم أمر جمعوا أهل الرأي من المسلمين، واستشاروهم ونزلوا عند الصواب من آرائهم، بل إنهم ليندبوهم إلى ذلك ويحثونهم عليه، فيقول أبو بكر رضي الله عنه: "فإن رأيتموني على حق فأعينوني، وإن رأيتموني على باطل فسددوني أو قوموني". ويقول عمر بن الخطاب: "من رأى فيًّ اعوجاجًا فليقومه"، والنظام الإسلامي في هذا لا يهمه الأشكال ولا الأسماء متى تحققت القواعد الأساسية التي لا يكون الحكم صالحًا بدونها".

    ولقد اعتمدت الجماعة الشورى كسلوك عملي وتطبيقي في واقعها وتربية الأفراد على كيفية ممارستها، وكان الاختيار الفقهي بأن الشورى ملزمة وليست معلمة أثر كبير في تعميق المؤسسية في مستوياتها المتعددة،

    ولذا لزم علينا عدة أمور منها:
    - الالتزام بالشورى سلوكًا وفقهًا وممارسةً.
    - تعميق روح الشورى داخل الدوائر المحيطة بنا (الأهل- الأقارب- الزملاء).
    - السعي الحثيث لترسيخ الشورى في مؤسسات المجتمع والإعلاء من قيمتها.
    - الحفاظ على قيمة الشورى كأحد القيم الإسلامية الأصلية في بناء المجتمع المسلم وعدم التأثر بالدعوات التي تحاول صرفنا عنها.

    يتبع
    avatar
    Admin
    Admin
    Admin

    الوقت هو الحياة :
    عدد المساهمات : 141
    نقاط : 384
    السٌّمعَة : 0
    تاريخ التسجيل : 28/09/2012

    رد: معالم منهج الإخوان من رسائل الإمام البنا .. بقلم د.محيى حامد

    مُساهمة من طرف Admin في السبت نوفمبر 17, 2012 10:09 pm


    مقومات البناء :

    إن أي جماعةٍ أو دعوةٍ لا بد لها من مقوِّماتٍ أساسيةٍ، تقوم عليها، وتنطلق منها، وبقدر قوة ومتانة هذه المقومات تكون قوة بنيان هذه الدعوة؛ ولذا فقد حَرَصَ الإمام البنا- رحمه الله- على بناء هذه الدعوة على أسسٍ قويةٍ ومتينةٍ مستمدةٍ من تعاليم الإسلام ومنهج الرسول- صلى الله عليه وسلم- في بناء الأمة الإسلامية.
    ولقد تميَّزت دعوة الإخوان على مرِّ السنوات الطوال منذ نشأتها وحتى وقتنا هذا بالقوة والاستمرارية، والنموّ والتطور، إضافةً إلى زيادة انتشارها وقوة ارتباط الفروع بالجماعة الأم، وهذا إن دلَّ على شيء فإنما يدلُّ على سلامة وقوة منطلقاتها ومقوماتها؛ ولذا وجب على المنتسبين لهذه الدعوة والمحبِّين لها أن يتعرَّفوا على هذه المقوّمات، ويعملوا على تحقيقها في واقعهم وواقع الأمة كلها.

    أولاً: البناء العقدي والإيماني

    إن البناء العقدي والإيماني هو الأساس الذي ينطلق منه الدعاة والمصلحون على مَرِّ التاريخ، كلما ازداد هذا البناء رسوخًا ازدادت قوةُ الانطلاقة والثبات عليها، ويمكن إيجاز معالم هذا البناء في محاور أربعة:

    (أ) سلامة الاعتقاد

    ولقد تحدَّث الإمام الشهيد عن ذلك في (رسالة المؤتمر الخامس) تحت عنوان "إسلام الإخوان المسلمين"، فقال: "واسمحوا لي- أيها السادة- أن أستخدم هذا التعبير، ولست أعني به أن للإخوان المسلمين إسلامًا جديدًا غير الإسلام الذي جاء به سيدُنا محمد- صلى الله عليه وسلم- عن ربه، وإنما أعني أن كثيرًا من المسلمين في كثير من العصور خلعوا على الإسلام نعوتًا وأوصافًا وحدودًا ورسومًا من عند أنفسهم، فاختلفوا في معنى الإسلام اختلافًا عظيمًا، وانطبعت للإسلام في نفوس أبنائه صورٌ عدةٌ تقرب أو تبعد أو، تنطبق على الإسلام الأول الذي مثَّله رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأصحابه خير تمثيل.

    ولهذا أحببت أن أتحدث لحضراتكم في إيجاز عن معنى الإسلام وصوره الماثلة في نفوس المسلمين؛ حتى يكون الأساسَ الذي ندعو إليه ونعتزّ بالانتساب له والاستمداد منه واضحًا جليًّا.

    1- نحن نعتقد أن أحكامَ الإسلام وتعاليمَه شاملةٌ، تنتظم شئون الناس في الدنيا وفي الآخرة؛ فالإسلام عقيدة وعبادة، ووطن وجنسية، ودين ودولة، وروحانية وعمل، ومصحف وسيف، والقرآن الكريم ينطق بذلك كله.

    وهكذا اتصل الإخوان بكتاب الله، واستلهموه واسترشدوه، فأيقنوا أن الإسلام هو هذا المعنى الكلي الشامل، وأنه يجب أن يهيمن على كل شئون الحياة، وأن تصطبغ جميعًا به، وأن تنزل على حكمه، وأن تساير قواعده وتعاليمه، وتستمد منها ما دامت الأمة تريد أن تكون مسلمةً إسلامًا صحيحًا.

    2- يعتقد الإخوان أن أساسَ التعاليم الإسلامية ومعينَها هو كتاب الله- تبارك وتعالى- وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، اللذان إن تمسكت بهما الأمة فلن تضل أبدًا؛ ولهذا يجب أن تُستَقَى النظمُ الإسلاميةُ التي تُحمَل عليها الأمة من هذا المعين الصافي، وأن نفهمَ الإسلام كما كان يفهمه الصحابة والتابعون من السلف الصالح رضوان الله عليهم، وأن نقف عند هذه الحدود الربانية النبوية؛ حتى لا نقيِّدَ نفسنَا بغير ما يقيِّدنا الله به، ولا نُلزِمَ عصرنَا لونَ عصرٍ لا يتفق معه والإسلام دين البشرية جميعًا.

    3- يعتقد الإخوان المسلمون أن الإسلام- كدينٍ عامٍ- انتظم كل شئون الحياة في كل الشعوب والأمم لكل الأعصار والأزمان، جاء أكمل وأسمى من أن يَعرِض لجزئيات هذه الحياة، وخصوصًا في الأمور الدنيوية البحتة؛ فهو إنما يضع القواعد الكلية في كل شأن من هذه الشئون، ويرشد الناس إلى الطريق العملية للتطبيق عليها والسير في حدودها.
    ولضمان الحق والصواب في هذا التطبيق أو تحرِّيهما على الأقل، عُنِيَ الإسلام عنايةً تامَّةً بعلاج النفس البشرية التي صاغها هذا الإسلام من الكمال الإنساني؛ ولهذا كانت طبيعةُ الإسلام تساير العصور والأمم، وتتسع لكل الأغراض والمطالب؛ ولهذا أيضًا كان الإسلام لا يأبى أبدًا الاستفادةَ من كل نظامٍ صالحٍ لا يتعارض مع قواعده الكلية وأصوله العامة".

    (ب) قوة الإيمان ويقظة الروح

    ولقد تناول الإمام البنا- رحمه الله- هذا الجانب كأحد مكونات البناء العقدي والإيماني؛ فيقول في رسالة (دعوتنا في طور جديد): "وينظر الناس في الدعوات إلى مظاهرها العملية التي هي في الحقيقة مددُ الدعوات وغذاؤها، وعليها يتوقَّف انتصارُها ونماؤها؛ ولهذا أستطيع أن أقول إن أول ما نهتم له في دعوتنا، وأهم ما تقوم عليه في نمائها وظهورها وانتشارها، هذه اليقظة الروحية المرتجِّلة؛ فنحن نريد- أول ما نريد- يقظةَ الروح، حياةَ القلوب، صحوةً خفاقةً، مشاعرَ غيورةً ملتهبةً متأجِّجةً، أرواحًا طموحةً متطلعةً متوثِّبةً، تتخيل مُثُلاً عليا، وأهدافًا ساميةً؛ لتسمو نحوها وتتطلع إليها ثم تصل إليها، ولا بد من أن تُحدَّد هذه الأهداف والمُثُل، ولا بد من أن تُحصَر هذه العواطف والمشاعر، ولا بد أن تركز حتى تصبح عقيدةً لا تقبل جدلاً ولا تحتمل شكًّا ولا ريبًا.

    إننا نتحرى بدعوتنا نهج الدعوة الأولى، ونحاول أن تكون هذه الدعوة الحديثة صدًى حقيقيًّا لتلك الدعوة السابقة التي هتف بها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في بطحاء مكة، فما أولانا بالرجوع بأذهاننا وتصوراتنا إلى ذلك العصر المشرق بنور النبوة!!.

    ثانيًا: البناء الأخلاقي والسلوكي

    إن من أسس بناء أي جماعة أو دعوة هو البناء الأخلاقي والسلوكي، والأمم تقوم على الأخلاق، والحضارات تشيَّد بالسلوك القويم، ولقد قال أمير الشعراء شوقي- رحمه الله-:
    إِنَّمَا الأُمُمُ الأَخُلاَقُ مَا بَقِيَتْ فَإِنْ هُمُ ذَهَبَتْ أَخْلاَقُهُمْ ذَهَبُوا

    ولقد حَرَصَ الإمام البنا- رحمه الله- على البناء الأخلاقي والسلوكي لأفراد هذه الدعوة المباركة، وحثَّهم على التحلي بكل فضيلة وسلوك قويم؛ فيقول- رحمه الله- في رسالة (نحو النور) تحت عنوان "الإسلام والخلق": "والأمة الناهضة أحوج ما تكون إلى الخلُق.. الخلق الفاضل القويّ المتين، والنفس الكبيرة العالية الطَّموح؛ إذ إنها ستواجِه من مطالب العصر الجديد ما لا تستطيع الوصولَ إليه إلا بالأخلاق القوية الصادقة النابعة من الإيمان العميق والثبات الراسخ، والتضحية الكبيرة والاحتمال البالغ، وإنما يصوغ هذه النفسَ الكاملةَ الإسلامُ وحده؛ فهو الذي جعل صلاح النفس وتزكيتها أساسَ الفلاح، فقال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9)﴾ (الشمس).

    وجعل تغيير شئون الأمم وقفًا على تغيير أخلاقها وصلاح نفوسها؛ فقد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: من الآية 11)، وإنك لتسمع الآيات البالغة في مفردات الأخلاق الكريمة، فتراها القوة التي تغالب في إصلاح النفوس وإعدادها وتزكيتها وتصفيتها؛ مثل قوله تعالى في الوفاء: ﴿مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (23) لِيَجْزِيَ اللهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾ (الأحزاب)، وفي البذل والتضحية والصبر والاحتمال ومغالبة الشدائد: ﴿لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (التوبة: من الآية 120)، وليس كالإسلام عاملٌ على إيقاظ الضمير وإحياء الشعور وإقامة رقيبٍ على النفس، وذلك خير الرقباء، وبغيره لا ينتظم قانون ما إلى أعماق السرائر وخفيات الأمور".

    ثم يتطرَّق الإمام البنا إلى إعداد الرجال وما يلزم ذلك من بناء النفوس وتشييد الأخلاق؛ فيقول في رسالة (هل نحن قوم عمليون؟!) تحت عنوان "إعداد الرجال": "ولكن الأمم المجاهدة التي تواجه نهضةً جديدةً وتجتاز دورَ انتقالٍ خطيرٍ، وتريد أن تبنيَ حياتها المستقبلة على أساس متين يضمن للجيل الناشئ الرفاهية والهناء، وتطالب بحقٍّ مسلوبٍ وعزٍّ مغصوبٍ، في حاجةٍ إلى بناء آخر غير هذه الأمنية، إنها في مسيس الحاجة إلى بناء النفوس وتشييد الأخلاق وطبع أبنائها على خلق الرجولة الصحيحة؛ حتى يصمدوا لما يقف في طريقهم من عقبات، ويتغلَّبوا على ما يعترضهم من مصاعب.

    إن الرجل سرُّ حياة الأمم ومصدرُ نهضتها، وإن قوةَّ الأمم أو قوَّتها تقاس بخصوبتها في إنتاج الرجال الذين تتوافر فيهم شرائط الرجولة، وإني أعتقد أن الرجل الواحد في وُسعه أن يبنيَ أمةً إن صحَّت رجولته، وفي وسعه أن يهدمها كذلك إذا توجَّهت هذه الرجولة إلى ناحية الهدم لا ناحية البناء".
    ثم يتحدث الإمام البنا عن أهمية بناء النفوس وتربيتها، فيقول: "وليس للأمة عُدَّةٌ في هذه السبيل الموحشة إلا النفس المؤمنة، والعزيمة القوية الصادقة، والسخاء والتضحيات، والإقدام عند الملمَّات، وبغير ذلك تُغلَب على أمرها، ويكون الفشل حليفَها.. فاعلم أن الفرض الأول الذي ترمي إليه جمعيات الإخوان المسلمين التربية الصحيحة؛ تربية الأمة على النفس الفاضلة والخلق النبيل السامي، وإيقاظ ذلك الشعور الحي الذي يسوق الأمم إلى الذود عن كرامتها، والجدِّ في استرداد مجدها، وتحمُّل كل عنتٍ ومشقةٍ في سبيل الوصول إلى الغاية".

    ثم يتطرَّق الإمام البنا بعد ذلك إلى تحديد الوسيلة واختيار المبدأ اللازم لذلك، فيقول: "إن الإخوان المسلمين رأَوْا أن أفضل الوسائل في إصلاح نفوس الأمم (الدين)، ورأَوْا إلى جانب هذا أن الدين الإسلامي جمع محاسن كل هذه الوسائل وبَعُدَ عن مساوئها، فاطمأنت إليه نفوسهم، وانشرحت به صدورهم، وكان أوَّلَ وسائلهم العملية في تطهير النفوس وتجديد الأرواح، وتحديد الوسيلة واختيار المبدأ".

    وبقراءة هذه الكلمات التي عبَّر عنها الإمام البنا ندرك أهمية التربية وإصلاح النفوس وتطهير الأرواح والتحلي بالأخلاق الفاضلة التي يحرص الإسلام على غرسها في نفوس المؤمنين، وندرك أيضًا أهمية إعداد الرجال في بناء الأمم الناهضة، كل هذا يجعل من البناء الأخلاقي والسلوكي لهذه الدعوة أساسًا للانطلاقة الراشدة نحو أمة ناهضة.
    ولذا نجد أن الإمام البنا عندما تحدَّث عن الفرد المسلم في ركن العمل حدَّد له مقومات البناء والتربية، فيقول: "إصلاح نفسه حتى يكون قوي الجسم، متين الخلق، مثقف الفكر"؛ فمتانة الخُلُق أساسٌ لصلاح النفس وتربيتها.

    كما يحدِّد الإمام البنا- رحمه الله- في رسالة (التعاليم) أركانَ البيعة العشر وما تشمله من قيمٍ وصفاتٍ للرجولة الصادقة؛ فالتضحية والثبات، والتجرد والإخلاص، وغيرها من القيم الرفيعة والصفات النبيلة التي تساهم في بناء وإعداد الرجال الذين تقوم على أكتافهم الأمة الناهضة: "لنقف بين يدي الأستاذ الأول، وهو سيد المربِّين وفخر المرسلين الهادين؛ لنتلقَّى عنه دروس الإصلاح من جديد، وندرس خطوات الدعوة من جديد..
    إن النبي- صلى الله عليه وسلم- قذف في قلوب صحابته بهذه المشاعر الثلاثة، فأشرقت بها وانطبعت عليها:

    (أ) قذف في قلوبهم أنَّ ما جاء به هو الحق وما عداه الباطل، وأن رسالته خير الرسالات، ونهجَه أفضلُ المناهج، وشريعتَه أكملُ النظم التي تتحقق بها سعادة الناس أجمعين، وتلا عليهم من كتاب الله ما يزيد هذا المعنى ثباتًا في النفس وتمسُّكًا في القلب: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (الزخرف: من الآية 43).

    (ب) وقذف في قلوبهم أنهم ما داموا أهل الحق وما داموا حملة رسالة النور وغيرهم يتخبَّط في الظلام، وما دام بين يديهم هديُ السماء لإرشاد الأرض، فهم إذن يجب أن يكونوا أساتذةَ الناس، وأن يقصدوا من غيرهم مقصدَ الأستاذ من تلميذه.. يحنو عليه ويرشده، ويقوِّمه ويسدِّده، ويقوده إلى الخير ويهديه إلى الصراط المستقيم ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ (آل عمران: من الآية 110).

    (ج) وقذف في قلوبهم أنهم ما داموا كذلك مؤمنين بهذا الحق معتزين بانتسابهم إليه، فإن الله معهم، يعينهم ويرشدهم، وينصرهم ويؤيدهم، ويمدّهم إذا تخلَّى عنهم الناس ﴿إِنَّ الأَرْضَ للهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (الأعراف: من الآية 128)، وبهذه المشاعر الثلاثة: الإيمان بعظمة الرسالة، والاعتزاز باعتناقها، والأمل في تأييد الله إياها، فاندفعوا يحملون رسالتهم محفوظةً في صدورهم، باديةً في أخلاقهم وأعمالهم فدانت لهم الأرض".
    القوة النفسية العظيمة

    ويحدِّد الإمام البنا في رسالته (إلى أي شيء ندعو الناس؟!) القوة النفسية العظيمة أحد مكونات البناء الإيماني والعقائدي، الضرورية واللازمة لنهضة الأمة فيقول: "إن تكوين الأمم وتربية الشعوب، وتحقيق الآمال ومناصرة المبادئ، تحتاج من الأمة التي تحاول هذا، أو من الفئة التي تدعوا إليه- على الأقل- إلى قوةٍ نفسيةٍ عظيمةٍ تتمثل في عدة أمور:
    * إرادة قوية لا يتطرَّق إليها ضعف.
    * وفاء ثابت لا يعدو عليه تلون ولا غدر.
    * تضحية عزيزة لا يحُول دونها طمع ولا بخل.
    * معرفة بالمبدأ والإيمان به وتقدير له يعصم من الخطأ فيه، والانحراف والمساومة عليه، والخديعة بغيره.

    على هذه الأركان الأولية التي هي من خصوص النفوس وحدها، وعلى هذه القوة الروحية الهائلة تُبنَى المبادئ وتُربَّى الأمم الناهضة، وتتكوَّن الشعوب الفتية وتتجدَّد الحياة فيمن حرموا الحياة زمنًا طويلاً، وكل شعب فقد هذه الصفات الأربعة، أو على الأقل فقدها قوادُه ودعاةُ الإصلاح فيه، لَهُوَ شعبٌ عابثٌ مسكينٌ، لا يصل إلى خير ولا يحقِّق أملاً".
    ولقد تعرَّضت دعوة الإخوان المسلمين لكثيرٍ من المحن والابتلاءات الشديدة، فكان من فضل الله أولاً على هذه الدعوة ثم بهذه القوة النفسية العظيمة التي امتلأت بها القلوب والأرواح، والتي جعلت هذا الرعيل من الإخوان المسلمين- رغم كل ما تعرضوا له- يتحمَّلون عبء هذه الدعوة ويتحركون بها ويعملون من أجلها في ربوع العالم أجمع، فأصبح كل رجل منهم بأمة؛ لأنه يمتلك تلك القوة النفسية العظيمة بأركانها الأربعة: إرادة قوية، ووفاء، وتضحية، وإيمان بالمبدأ.
    الأمل والثقة في نصر الله

    إن من مقوِّمات البناء والنهوض، والتي تحتاج إليه الأمم والدعوات هو الأمل الواسع الفسيح، والثقة بالنجاح الذي يغمر القلب ويملأ النفس، ولقد أدرك الإمام البنا حقيقة هذا الأمر، فكان حريصًا على تربية رجال هذه الدعوة على هذا المقوم الأساسي في بناء النفوس، فيقول- رحمه الله- في رسالة (إلى أي شيء ندعو الناس؟!) تحت عنوان "أعظم مصادر القوة":
    "وفي النسبة إلى الحق- تبارك وتعالى- معنى آخر يدركه من التحق بهذه النسبة، ذلك هو الفيض الأعم من الإيمان، والثقة بالنجاح الذي يغمر قلبك ويملأ نفسك، فلا تخشى الناس جميعًا ولا ترهب العالم كله إن وقف أمامك يحاول أن ينال من عقيدتك أو ينتقص من مبدئك ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173)﴾ (آل عمران)".

    ثم يسوق الإمام البنا الشواهد القرآنية الدالة على ذلك؛ فيقول في رسالة (نحو النور): "تحتاج الأمة الناهضة إلى الأمل الواسع الفسيح، وقد أمدَّ القرآن أممه بهذا الشعور بأسلوبٍ يُخرج من الأمة الميتة أمةً كلها حياةٌ وهمةٌ، وأملٌ وعزمٌ، وإن أضعف الأمم إذا سمعت قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ﴾ (القصص)، وقوله تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139)﴾ (آل عمران).. إن أضعف الأمم إذا سمعت هذا التبشير كله وقرأت ما أشارت إليه من قصص تطبيقية واقعية، لا بد أن تخرج بعد ذلك أقوى الأمم إيمانًا وأرواحًا، ولا بد أن ترى في هذا الأمل ما يدفعها إلى اقتحام المصاعب مهما اشتدت، ومقارعة الحوادث مهما عَظُمَت؛ حتى تظفر بما تصبوا إليه من كمال".
    وبهذه المكونات الأربعة: سلامة الاعتقاد، وقوة الإيمان، والنفسية العظيمة، والأمل والثقة في نصر الله، والتي تشكِّل أساس البناء العقدي والإيماني كأحد مقومات بناء الجماعة.

    ثالثًا: البناء التنظيمي

    لا يمكن لأي بناء أن يستقيم عودُه ويزاد قوةً وصلابةً إلا بقوة تماسكه وترابط أجزائه وتلاحم ذراته، ولقد فقه الإمام البنا حقيقة الدعوات والجماعات، فأدرك أهمية البناء التنظيمي لها، والتي تعمل وحدة أعضائه وزيادة روابطهم فيما بينهم، وأيضًا زيادة التفاهم حول قيادتهم ومنهجهم، ولقد حدَّد الإمام البنا- رحمه الله- أركانًا ثلاثة تدور عليها فكرة الإخوان:
    أولها المنهج الصحيح: وقد وجده الإخوان في كتاب الله وسنة رسوله وأحكام الإسلام؛ حيث يفهمها المسلمون على وجهها غضةً نقيَّةً بعيدةً عن الدخائل والمفتريات.

    وثانيها العاملون المؤمنون: وبهذا أخذ الإخوان أنفسهم بتطبيق ما فهموه من دين الله تطبيقًا لا هوادةَ فيه ولا لين، وهم- بحمد الله- بفكرتهم مطمئنون، إلى غايتهم واثقون، بتأييد الله إياهم ما داموا له يعملون، وعلى هدي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يسيرون.

    وثالثها القيادة الحاذقة الموثوق بها: وقد وجدها الإخوان المسلمون كذلك؛ فهم لها مطيعون، وتحت لوائها يعملون.
    ولقد حَرَصَ الإمام البنا على تأسيس هذا البناء التنظيمي بصورةٍ متفردةٍ عن غيرها، فنجده- رحمه الله- في رسالة (التعاليم) يوجِّه حديثه إلى الإخوان المجاهدين من الإخوان المسلمين فيقول: "أيها الإخوان الصادقون .. أركان بيعتنا عشرةٌ، فاحفظوها:
    الفهم، والإخلاص، والعمل، والجهاد، والتضحية، والطاعة، والثبات، والتجرد، والأخوة، والثقة.

    وهذه الأركان العشر منها ما يتعلق:
    أولاً: بالمنهج، ويشمل أركان (الفهم والعمل).
    ثانيًا: بالعاملين المؤمنين، ويشمل أركان (التجرد، الجهاد، التضحية، الثبات، والإخلاص).
    ثالثًا: بالقيادة الحازمة، ويشمل أركان (الأخوَّة، الثقة، والطاعة).
    بالنسبة للأركان المرتبطة بالمنهج (الفهم والعمل)، فهي تشكَِّل البناء الفكري للجماعة، والأركان المرتبطة بالعاملين في هذه الدعوة (الإخلاص، الجهاد، التضحية، والتجرد)؛ فهي تشكِّل البناء التربوي لها، أما الأركان المرتبطة بالقيادة (الأخوَّة، الثقة، الطاعة) تشكِّل البناء التنظيمي والروابط التنظيمية التي تقوم عليها الجماعة:

    (أ) الأخوَّة
    وهي تشكِّل الرابطة التي تجمع هذه اللبنات الصالحة في بناءٍ واحدٍ متماسكٍ، وكما يطلق عليها هي "المونة" التي تتخلَّل هذه اللبنات فتجمعها في ترابطٍ وتراصٍّ قويٍّ، ويقول الإمام البنا في ركن الأخوَّة: "وأريد بالأخوَّة أن ترتبط القلوب والأرواح برباط العقيدة، والعقيدةُ أوثق الروابط وأغلاها، والأخوَّةُ أخوَّة الإيمان، والتفرُّق أخو الكفر، وأول القوة قوة الوحدة، لا وحدةَ بغير حب، وأقلُّ الحب سلامةُ الصدر، وأغلاها مرتبةُ الإيثار، والأخ الصادق يرى إخوانه أولى بنفسه من نفسه، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية، والمؤمن للمؤمن كالبنيان يشدُّ بعضه بعضًا، والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض".

    ونخلص من ذلك بالنقاط الآتية:
    * ارتباط القلوب والأرواح برباط العقيدة.
    * الإخوة أخت الإيمان، والتفرق أخو الكفر.
    * أول القوة هي قوة الوحدة.
    * لا وحدةَ بغير حب.
    * أقل الحب سلامة الصدر، وأغلاها مرتبة الإيثار.
    * الأخ الصادق يرى إخوانه أولى بنفسه من نفسه.
    * والمؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضًا.

    (ب) الثقة
    وهي ركنٌ من أركان البيعة التي حَرَصَ الإمام البنا على تربية الأفراد عليها، وعنها يقول- رحمه الله-: "وأريد بالثقة اطمئنانَ الجندي إلى القائد في كفاءته وإخلاصه اطمئنانًا عميقًا ينتج الحب والتقدير، والاحترام والطاعة.
    والقائد جزءٌ من الدعوة، ولا دعوةَ بغير قيادة، وعلى قدر الثقة المتبادلة، والجنود تكون قوة نظام الجماعة، وإحكام خططها، ونجاحها في الوصول إلى غايتها، وتغلبها على ما يفرضها من عقبات وصعاب، وللقيادة في دعوة الإخوان حقُّ الوالد بالرابطة القلبية، والأستاذ بالإفادة العلمية، والشيخ بالتربية الروحية، والقائد بحكم السياسة العامة للدعوة، ودعوتنا تجمع هذه المعانيَ جميعًا، والثقة بالقيادة هي كل شيء في نجاح الدعوات".

    ومن هذا التعريف الدقيق والواضح نخلص إلى عدة نقاط، هي:
    * الثقة في القيادة ينتج عنها الحب والتقدير، والاحترام والطاعة.
    * على قدر الثقة المتبادلة بين القيادة والأفراد تكون قوة نظام الجماعة ونجاحها.
    * مكانةُ القيادة في دعوة الإخوان روحيةٌ واجتماعيةٌ، وعلميةٌ وتنظيميةٌ.
    * أن أساس نجاح الدعوات هو الثقة بالقيادة.
    ولذا فإن الثقة تعتبر سياجًا واقيًا للجماعة، فإذا ضعفت ضعفت الجماعة، ولقد حَرَصَ الإخوان على مرِّ السنوات الطوال والمحن والابتلاءات ألا تهتز الثقة بينهم، فكانت لهم حافظًا.

    (ج) الطاعة
    والطاعة ثمرةٌ ونتاجٌ طبيعي للحب والأخوة تحققِّ الثقة بين القيادة والأفراد، وبين الأفراد بعضهم البعض، ولقد عرَّفها الإمام البنا بقوله: "وأريد بالطاعة امتثال الأمر وإنفاذه توًّا في العسر واليسر، والمنشط والمكره".

    ومن خلال هذا التعريف نخلص إلى:
    * الطاعة نتاجٌ للأخوَّة والثقة.
    * الطاعة امتثالُ وإنفاذُ الأمر في جميع الأحوال التي تمرُّ بها الدعوة أو الفرد.
    * الطاعة المبصرة ملزمةٌ؛ لأنها مبنيةٌ على النزول لرأي الشورى.
    * الطاعة تبدأ باحترام النظم والمبادئ العامة للجماعة، وتنتهي بكمال الطاعة (أمر وطاعة من غير تردد ولا مراجعة، ولا شك ولا حرج).
    ومن هنا كانت الطاعة تمثِّل سياجًا واقيًا للجماعة، مانعًا للتفتت والتفرق، وكم من الأمور لو تُركَت لهوى النفس وتقدير الأفراد ما تم إنجازها!!، ولكنها في إطار الحب والثقة والطاعة المبصرة يتم إنفاذها ويكون لها عظيم الأثر.

    إن المواقف العملية والتربوية المعبِّرة والموضحة لأركان الأخوة والثقة والطاعة كثيرةٌ، ولكن خلاصة الأمر أن هذه الأركان الثلاثة تمثِّل الروابط التنظيمية والبناء التنظيمي لجامعة الإخوان المسلمين، فإذا انتقص منها شيئًا انهارت وضعفت، وبفضل من الله- عز وجل- كانت على مدار التاريخ سياجًا واقيًا من كل فتنةٍ أو تفرُّقٍ أو تشرذمٍ، وكلما ازدادت قوةً ازداد البناء التنظيمي قوةً وتماسكًا.

    رابعا : البناء الفكري

    إنَّ من مقومات بناء الجماعة وأساس عملها وانطلاقها البناء الفكري، وهو يُشكِّل حجر الزاوية من البناء، وعليه يقوم غيره من المقومات؛ ولذا فقد حَرَصَ الإمام البنا على جعل ركن الفهم هو أول أركان البيعة؛ لأن وحدة الفهم تؤدي إلى وحدة التصور، التي تؤدي إلى وحدة العمل، وإذا كانت هذه الدعوة تنشد نهضة الأمة، وبناء حضارتها فإن ذلك يتطلب العمل الكثير الموحد للجهود حتى يمكن أن تحقق ما تريد من أهداف وغايات منشودة.

    إن أساس البناء الفكري لجماعة الإخوان المسلمين ينطلق من ركن الفهم، ولقد عرَّفه البنا بقوله: "إنما أُريد بالفهم أن تُوقن بأن فكرتنا إسلامية صميمة، وأن تفهم الإسلام كما نفهمه، في حدود هذه الأصول العشرين الموجزة كل الإيجاز..".

    وبذلك يُكوِّن الإمام البنا قد حدد المرجعية الكلية لنهضة الأمة، وهي الإسلام، وقد حدد لهذه المرجعية أُطرًا أو أصولاً نفهم فيها الإسلام كأرضيةٍ مشتركةٍ في الفهم والتصور والعمل لهذا الدين العظيم، وقد جعل الإمام البنا هذه الأصول أرضيةَ الانطلاق الإسلامي نحو النهضة، وعندما نتأمل هذه الأصول العشرين نجد أنها شملت جوانب متعددة منها ما يخص فهم العقيدة، وأخرى تخص فهم أصول الفقه، وأخرى تخص أصول في فهم الفقه، بالإضافة إلى بعضِ الأصول العامة، ويندرج تحت كل جانبٍ عدد من الأصول التي تجمع المسلمين وتُوحِّد جهودهم في العمل للإسلام، ومن هذه الأصول ما يُشكِّل كما أُطلق عليها دستور الوحدة الثقافية للأمة الإسلامية، وعندما نتناول بعضًا منها تشعر بأهمية هذه الأصول في البناء الفكري لهذه الجماعة.

    الأصل الأول: "الإسلام نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعًا، فهو دولة، ووطن أو حكومة وأُمة، وهو خلق وقوة أو رحمة وعدالة، وهو ثقافة وقانون أو علم وقضاء، وهو مادة وثروة أو كسب وغنى، وهو جهاد ودعوة أو جيش وفكرة، كما هو عقيدة صادقة وعبادة صحيحة، سواء بسواء".

    وهذا أصل من شمول الإسلام ويُشكِّل العصبَ الفكري للعمل الإسلامي فلا اجتزاء أو انتقاص، بل شمول وتكامل بدءًا من العقيدة والعبادة وانتهاءً بالدولة والحكومة.

    الأصل الثاني: "والقرآن الكريم والسنة المطهرة مرجع كل مسلم في تعرُّف أحكام الإسلام، ويفهم القرآن طبقًا لقواعد اللغة العربية من غير تكلفٍ ولا تعسف، ويرجع في فهم السنة المطهرة إلى رجال الحديث الثقات"، وهذا أصل في المرجعية وتحديد آلية التعامل معها وفهمها الفهم الصحيح.

    الأصل الثامن: "والخلاف الفقهي في الفروع لا يكون سببًا للتفرق في الدين ولا يؤدي إلى خصومة ولا بغضاء ولكل مجتهد أجره، ولا مانعَ من التحقيق العلمي النزيه في مسائل الخلاف فيظل الحب في الله، والتعاون على الوصول إلى الحقيقة من غير أن يجر ذلك إلى المراء المذموم والتعصب"، وهذا أصل في وحدة المسلمين وعدم اختلافهم أو تفرقهم في الدين، وهو من الأمورِ التي تحفظ لهذه الأمور قوتها وتماسكها في إطارٍ من الحب والتعاون.

    الأصل العشرون: "لا نُكفِّر مسلمًا أقرَّ بالشهادتين وعمل بمقتضاها وأدَّى الفرائضَ برأي أو معصية، إلا أن أقرَّ بكلمة الكفر، أو أنكر معلومًا من الدين بالضرورة، أو كذَّب صريحَ القرآن، أو فسَّره على وجهٍ لا تحتمله أساليب اللغة العربية بحالٍ، أو عمل عملاً لا يحتمل تأويلاً غير الكفر".
    وهذا أصلٌ في محظوراتِ التكفير والغلو والتطرف الذي يؤدي إلى هلاكِ هذه الأمة وتضييع ثرواتها وخيراتها في جهودِ شبابنا فيما لا طائلَ منه.

    إن هذه الأصول قد حرص الدعاة والعلماء والمفكرون على شرحها وتوضيحها وتربية الأمة عليها، وهذا يدل على توفيق الله- عزَّ وجل- لإمامنا الشهيد وبصيرته الواعية التي أدركت حاجةَ هذه الأمة لمثل هذه الأصول حتى تتمكَّن من الانطلاقةِ نحو تحقيقِ نهضتها وحضارتها المأمولة في وقتنا الحالي والمستقبلي.

    ولقد كان من توجيهات الإمام البنا لإخوانه بهذا الشأن قوله- رحمه الله- في رسالة المؤتمر السادس: "واذكروا جيدًا أيها الإخوان أن الله منَّ عليكم ففهمتم الإسلام فهمًا نقيًّا صافيًا، سهلاً شاملاً، كافيًا، يساير العصور ويفي بحاجاتِ الأمم، ويُجلب السعادة، مستمدًا من كتاب الله وسنة رسوله- صلى الله عليه وسلم- وسيرة السلف الصالحين استمدادًا منطقيًّا منصفًا بقلبِ المؤمن الصادق، وعقل الرياضي الدقيق، وعرفتموه على وجهه عقيدةً وعبادةً، ووطنًا وجنسًا، وحكومةً وأمةً، ومصحفًا وسيفًا، وخلافةً من الله للمسلمين في أمم الأرض جميعًا..".

    بهذا يتكون البناء الفكري لهذه الدعوة انطلاقًا من الفهم الصحيح للإسلام وفقًا للأصول العشرين التي حددها الإمام البنا، والتي تُشكِّل الأرضيةَ المشتركةَ للانطلاقةِ للعمل الإسلامي من أجل تحقيق نهضة هذه الأمة، وإعادة كيانها ووحدتها في جميع مجالاتِ الحياة.

    مسارات وخطوات :

    إنَّ مساراتِ العمل وخطوات التنفيذ تُعتبر من المعالم الرئيسية لدعوة الإخوان المسلمين، ومكملاً أساسيًّا لمنهجها في التغيير من تحديدٍ للغاية والمهمة والأهداف التي نسعى لتحقيقها؛ وذلك بتحديد مسارات، وخطوات يجب أن نسير فيها ونعمل من خلالها حتى يكون الوصول إلى تحقيقِ الغاية والأهداف التي من أجلها قامت دعوة الإخوان، ورغم وضوح الغاية والأهداف، ربما يُخطئ البعض في كيفيةِ الوصول إليه، ومن هنا نُدرك أهمية تحديد تلك المسارات، والخطوات اللازمة لتحقيق الغاية والأهداف المنشودة.
    لقد حدد الإمام البنا- رحمه الله- مساراتِ العمل وخطوات التنفيذ في ثلاث هي:
    التعريف، والتكوين، والتنفيذ، ويندرج تحت كلٍّ منها تفصيلاً لها،

    وفي هذا يقول الإمام البنا- رحمه الله- في رسالةِ المؤتمر الخامس: "وأما التدرج والاعتماد على التربية ووضوح الخطوات في طريق الإخوان المسلمين، فذلك أنهم اعتقدوا أن كل دعوة لا بد لها من مراحل..

    مرحلة الدعاية والتعريف والتبشير بالفكرة، وإيصالها إلى الجماهير من طبقاتِ الشعب، ثم بعد ذلك..
    مرحلة التنفيذ والعمل والإنتاج، وكثيرًا ما تسير هذه المراحل جنبًا إلى جنب؛ نظرًا لوحدةِ الدعوة وقوة الارتباط بينها جميعًا، فالداعي يدعو، وهو في الوقت نفسه يتخير ويُربي، وهو في الوقت عينه يعمل وينفذ كذلك".

    ونستخلص من هذه الكلمات النقاط التالية:
    أولاً: إن التدرج في الخطوات من أصول، وفقه العمل في دعوة الإخوان المسلمين، وفي ذلك يقول الإمام البنا- رحمه الله- في رسالة "هل نحن قوم عمليون": "ذلك واضح جلي في الخطوات التي سلكتها دعوة الإسلام الأولى فقد وضع الله لها منهجًا محدودًا يسير بالمسلمين الأولين- رضوان الله عليهم- إليه من دعوة في السر، ثم إعلان بهذه الدعوة ونضال في سبيلها لا يمل، ثم هجرة إلى حيث القلوب الخصبة والنفوس المستعدة، فإخاء بين هذه النفوس، وتمكين عُرى الإيمان في قلوبها ثم نضال جدي، وانتصاف من الباطل للحق.
    إن هذه النهضات يرسم منهاجها الحق تبارك وتعالى وبهدي الرسول ومن ورائه قومه، ويرشدهم إلى خطواتِ المنهج خطوةً خطوةً في وقتها المناسب، ويؤيدهم في كل ذلك بنصره فتكون النهضة موفقة لا محالة.."، ثم يحدد بعد ذلك أسباب الفشل وعدم التوفيق فيقول: "فإنني ألاحظ خلق التسرع المركوز في طباعنا، وسرعة التأثر، وهياج العواطف الذي يبدو فينا واضحًا.. وغيرهما من أسبابٍ اجتماعية، وغير اجتماعية جعلت نهضتنا ثورات عاطفية تشتد بقوة المؤثر الوقتي، وشدته ثم تحمل، وتزول كأن لم يكن شيء.."، ومن هنا نُدرك أهمية تحديد الخطوات والمسارات التي نعمل من خلالها، وكذلك أهمية التدرج في تنفيذها.

    ثانيًا: الاعتماد على التربية والتكوين، وفي ذلك يقول الإمام- رحمه الله-: "أيها الإخوان المسلمون، وبخاصة المتحمسين المتعجلين منكم: اسمعوها مني كلمةً عاليةً داويةً من فوق هذا المنبر في مؤتمركم هذا الجامع.. إن طريقكم هذا مرسومة خطواته، موضوعة حدوده، ولستُ مخالفًا هذه الحدود التي اقتنعتُ كل الاقتناع بأنها أسلم طريق للوصول، أجل قد تكون طريقًا طويلة، ولكن ليس هناك غيرها، إنما تظهر الرجولة بالصبر والمثابرة والجد والعمل الدائب، فمَن أراد أن يستعجل ثمرةً قبل نضجها أو يقطف زهرةً قبل أوانها فلستُ معه في ذلك بحال، وخيرٌ له أن ينصرفَ عن هذه الدعوة إلى غيرها من الدعوات، ومن صبر حتى تنمو البذرة وتنبت الشجرة، وتصلح الثمرة ويحين القطاف فأجره في ذلك على الله، ولن يفوتنا وإياه إحدى الحسنيين، إما النصر والسيادة، وإما الشهادة والسعادة".

    ثالثًا: ضرورة المراحل الثلاثة للدعوة: فمرحلة الدعاية والتعريف هي أساس لنشر الفكرة، والإقناع بها، ومرحلة التكوين، وتخير الأنصار لا غنى عنها في بناء صف مؤمن متماسك، ومرحلة التنفيذ والعمل والإنتاج هي المردود الحقيقي والناتج الطبيعي للمراحل السابقة.

    رابعًا: ضرورة التوازن بين المراحل الثلاث، فلا يغلب جانب على آخر، فإذا ضعف التعريف قلَّ الأنصار، وإذا ضعفت التربية، والتكوين قل العمل والإنتاج، وإذا غلب التنفيذ على التكوين ضعف البناء وقلَّ تماسكه، وإذا غلب التعريف على التكوين ضعف بناء الأفراد وتكوينهم، وإذا غلب التكوين على التعريف انحسرت الدعوة، وقلَّ أثرها في نفوس الجماهير، والمحبين لها، ومن هنا لزم السير المتوازن بين مراحل الدعوة الثلاث، وعدم تغليب مرحلة على أخرى حتى يتحقق التكامل والانسجام المطلوب في بناءِ الدعوة.

    ويشرح الإمام البنا تصوره لكل مرحلةٍ من هذه المراحل الثلاث فيقول في رسالةِ التعاليم: "وذلك أن مراحل هذه الدعوة ثلاث:
    التعريف: بنشر الفكرة العامة بين الناس، ونظام الدعوة في هذه المرحلة نظام الجمعيات الإدارية، ومهمتها العمل للخير العام ووسيلتها الوعظ والإرشاد تارةً، وإقامة المنشآت النافعة تارةً أخرى، وإلى غير ذلك من الوسائل العملية، وكل شعب الإخوان للقائمة الآن تمثل هذه المرحلة من حياة الدعوة، وينظمها القانون الأساسي وتشرحها رسائل الإخوان وجريدتهم، والدعوة في هذه المرحلة (عامة)، ويتصل بالجماعة فيها كل مَن أراد من الناس متى رغب المساهمة في أعمالها ووعد بالمحافظة على مبادئها، وليست الطاعة التامة لازمة في هذه المرحلة بقدر ما يلزم فيها احترام النظم والمبادئ العامة للجماعة.

    التكوين: باستخلاص العناصر الصالحة لحمل أعباء الجهاد، وضم بعضها إلى بعض، ونظام الدعوة في هذه المرحلة صوفي بحت من الناحية الروحية، عسكري من الناحية العملية، وشعار هاتين الناحيتين دائمًا (أمر وطاعة)، من غير ترددٍ ولا مراجعة ولا شك ولا حرج، وتمثل الكتائب الإخوانية هذه المرحلة من حياة الدعوة.. والدعوة فيها خاصة لا يتصل بها إلا مَن استعدَّ استعدادًا حقيقيًّا لتحمُّل أعباء جهاد طويل المدى كثير التبعات، وأول بوادر هذا الاستعداد كمال الطاعة.

    التنفيذ: والدعوة في هذه المرحلة جهاد لا هوادةَ معه، وعمل متواصل في سبيل الوصول إلى الغاية، وامتحان وابتلاء، ولا يصبر عليها إلا الصادقون، ولا يكفل النجاح في هذه المرحلة إلا كمال الطاعة كذلك".

    ومن هذه الكلمات نستطيع أن نستخلص الآتي:
    أولاً: إن مرحلة التعريف تهدف إلى نشر الفكرة، وإيصالها إلى الجماهير من طبقات الشعب.
    ثانيًا: إن المهمة الأساسية لمرحلة التعريف هي العمل للخير العام، ووسائلها من خلال الجمعيات، والوعظ والإرشاد، إقامة المنشآت النافعة إلى غير ذلك من الوسائل العملية.
    ثالثًا: إن الدعوة في مرحلة التعريف عامة، ويتصل بالجماعة فيها كل مَن أراد من الناس متى رغب في المساهمة في أعمالها، ووعد بالمحافظة على مبادئها.
    رابعًا: إن مرحلة التكوين تهدف إلى استخلاص العناصر الصالحة لتحمل أعباء الجهاد في سبيل تحقيق الغاية، والأهداف التي من أجلها قامت دعوة الإخوان.
    خامسًا: إن المهمة الأساسية لمرحلة التكوين هي بناء الفرد المسلم المتكامل في فكره وخلقه وروحه وسلوكه؛ ولذا كانت التربية الروحية أساس هذه المرحلة.
    سادسًا: إن الدعوة في مرحلة التكوين خاصة لا يتصل بها إلا مَن استعدَّ استعدادًا حقيقيًّا لتحمل أعباء جهاد طويل المدى كثير التبعات.
    سابعًا: إن مرحلة التنفيذ مهمتها الأساسية هو السعي الحثيث لتحقيق الأهداف المنشودة، وهذا يتطلب العمل المتواصل والصبر واحتمال المشاق.
    ثامنًا: إن الدعوة في مرحلة التنفيذ تتميز بجهادٍ لا هوادةَ معه.

    انتهى المقال وسنحاول جاهدين وضع رابط لتحميل الكتاب
    [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس مايو 24, 2018 5:33 pm